-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ترتيبات "اليوم التالي" في غزة على حساب القضية الفلسطينية

المخزن يتحرك لنزع سلاح المقاومة… ضباط مغاربة في الكيان الصهيوني

المخزن يتحرك لنزع سلاح المقاومة… ضباط مغاربة في الكيان الصهيوني
ح.م

في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية، أعلن “مجلس السلام” الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصول ضباط من الجيش المغربي إلى الكيان الصهيوني للانضمام إلى ما يسمى “قوة الاستقرار الدولية” الخاصة بقطاع غزة، في مؤشر جديد على بدء ترجمة بعض ملامح مشروع “اليوم التالي” للحرب الذي تدفع به واشنطن وحلفاؤها منذ أشهر.
ووفق المعطيات المعلنة، وصلت الوحدة المغربية إلى مقر القوة الدولية في جنوب فلسطين المحتلة يوم 18 جوان الجاري، حيث ستشارك بحسب المزاعم في بناء الهياكل التنظيمية للقوة وتقديم خبرات في المجالات الأمنية والشرطية. كما أكد مسؤولون بالمجلس وجود أربعة ضباط مغاربة على الأقل ضمن هذه المهمة، بعد أشهر من إعلان الرباط استعدادها لإرسال عناصر من الجيش والشرطة إلى قطاع غزة.
ورغم أن المشاركة المغربية تُسوق في إطار جهود دولية لدعم الاستقرار وإعادة الإعمار، فإن توقيتها وطبيعة الجهة المشرفة عليها يفتحان الباب أمام تساؤلات تتجاوز البعد الأمني، لتصل إلى طبيعة المشروع السياسي الذي يجري التحضير له في القطاع ومستقبل القضية الفلسطينية في ظل الترتيبات الجديدة.

من التطبيع إلى الشراكة الأمنية
يرى مراقبون أن الخطوة المغربية يصعب فصلها عن مسار التطبيع الذي انخرطت فيه الرباط منذ توقيع اتفاق استئناف العلاقات مع دولة الاحتلال في إطار اتفاقيات أبراهام سنة 2020. فمنذ ذلك التاريخ شهد التعاون بين الجانبين توسعاً متسارعاً شمل المجالات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية، وصولاً إلى توقيع اتفاقيات تعاون غير مسبوقة بين المؤسستين العسكريتين في البلدين.
ويعتبر متابعون أن انتقال هذا التعاون من الإطار الثنائي إلى المشاركة في ترتيبات أمنية مرتبطة مباشرة بالأراضي الفلسطينية يمثل تطوراً لافتاً، خاصة أن القوة الدولية المقترحة لا تأتي في سياق تسوية سياسية نهائية أو قيام دولة فلسطينية مستقلة، بل ضمن خطة ترتكز أساساً على إدارة الوضع الأمني في غزة وإعادة تشكيل المشهد الداخلي للقطاع.
وتزداد حساسية المشاركة المغربية بالنظر إلى أن القوة المزمع نشرها ترتبط بخطة تدعو إلى نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وإعادة بناء المنظومة الأمنية تحت إشراف دولي، وهي ملفات تمثل جوهر الخلاف القائم بين القوى الفلسطينية والجهات الراعية للمشروع.

مجلس السلام… من وقف الحرب إلى إعادة هندسة غزة
بعيداً عن الشعارات المعلنة حول الاستقرار وإعادة الإعمار، تكشف الوثائق المتداولة بشأن خارطة الطريق التي يقترحها “مجلس السلام” عن مشروع أوسع لإعادة ترتيب الواقع السياسي والأمني في القطاع.
وتشير هذه الوثائق إلى أن المجلس يدفع باتجاه خطة متعددة البنود تضع الأولوية للترتيبات الأمنية ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية، مقابل غياب ضمانات واضحة وملزمة بشأن إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
وبحسب الانتقادات الفلسطينية الموجهة للخطة، فإن المقاربة المطروحة تتعامل مع غزة باعتبارها ملفاً أمنياً وإدارياً منفصلاً، يخضع لإشراف دولي طويل الأمد، بدلاً من التعامل معها كجزء من وحدة سياسية وجغرافية تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة معاً.
كما تخشى أوساط فلسطينية من أن يؤدي تكريس هذه الترتيبات إلى تحويل القطاع إلى منطقة تخضع لوصاية دولية مفتوحة زمنياً، بما يجعل الحديث عن الدولة الفلسطينية مؤجلاً إلى أجل غير معلوم، بينما تصبح الأولوية المطلقة للأمن وإدارة السكان وإعادة الإعمار.

الإمارات… الحاضر الأكبر خلف الكواليس
وفي قلب هذه الترتيبات يبرز الدور الإماراتي باعتباره أحد أكثر الأدوار إثارة للانتباه.
فالتقارير المتداولة خلال الأشهر الماضية تحدثت عن ضغوط إماراتية لتعيين الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف على رأس الهيكل القيادي لمجلس السلام، وهو اسم يرتبط بعلاقات وثيقة بأبوظبي منذ توليه إدارة أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في الإمارات بعد مغادرته الأمم المتحدة.
ولا ينظر منتقدو الخطة إلى هذا المعطى باعتباره تفصيلاً إدارياً، بل مؤشراً على حجم النفوذ الذي تسعى الإمارات إلى ممارسته في ترتيبات ما بعد الحرب على غزة، خاصة أنها تعد من أبرز الدول العربية المنخرطة في مسار التطبيع مع دولة الاحتلال، كما أنها تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شريك إقليمي رئيسي في عدد من المشاريع السياسية والاقتصادية المرتبطة باتفاقيات أبراهام.
وتعزز هذه القراءة تصريحات وتقارير تحدثت عن علاقات عمل وثيقة جمعت ملادينوف بعدد من الشخصيات الأمريكية والصهيونية التي شاركت في هندسة اتفاقيات أبراهام، فضلاً عن دعمه العلني لتوسيع نطاق تلك الاتفاقيات واعتبارها إطاراً لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً واقتصادياً.

ملادينوف بين الوساطة وإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني
ورغم أن ملادينوف يقدم نفسه كدبلوماسي مخضرم سبق له العمل مبعوثاً للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، فإن الجدل الدائر حول دوره الحالي لا يتعلق بمسيرته الدبلوماسية بقدر ما يرتبط بطبيعة المشروع الذي يجري الترويج له.
فمنتقدو الخطة يعتبرون أن المقترحات المطروحة تركز على ضبط البيئة الأمنية في غزة أكثر مما تركز على معالجة جذور الصراع، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول أي إدارة انتقالية جديدة إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها.
وتزداد هذه المخاوف مع استمرار الحديث عن إشراف دولي طويل الأمد على القطاع، وعن ترتيبات أمنية معقدة قد تعيد رسم موازين القوى الداخلية الفلسطينية بعيداً عن أي عملية سياسية شاملة تفضي إلى إنهاء الاحتلال.

أسئلة مفتوحة حول مستقبل غزة
يمثل وصول الضباط المغاربة إلى دولة الاحتلال تطوراً يتجاوز في دلالاته البعد العسكري المباشر، لأنه يأتي في لحظة تتشكل فيها ملامح مرحلة جديدة في غزة عنوانها الأساسي إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي تحت إشراف دولي واسع.
وفي الوقت الذي تقدم فيه واشنطن وحلفاؤها هذه الترتيبات باعتبارها مدخلاً للاستقرار ومنع عودة الحرب، يؤكد منتقدو المشروع أنها قد تؤسس لواقع جديد تُختزل فيه القضية الفلسطينية في ملف أمني وإداري، بينما تتراجع قضايا السيادة وإنهاء الاحتلال وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة إلى مرتبة ثانوية.
وبين الرؤية التي تتحدث عن الاستقرار وإعادة الإعمار، وتلك التي تحذر من تكريس الوصاية الدولية وتفكيك مرتكزات المشروع الوطني الفلسطيني، يبقى السؤال المطروح: هل تشكل هذه الترتيبات بداية طريق نحو السلام، أم أنها تمهد لمرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل غزة وفق أولويات أمنية ترسمها القوى الدولية والإقليمية أكثر مما يرسمها الفلسطينيون أنفسهم؟.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!