المرأة المشوهة …حاجز الزواج وتأشيرة للطلاق
باختلاف الثقافات والمجتمعات الغربية والعربية المحافظة والمتفتحة فإن صورة المرأة في الجسد الجميل والوجه النظر والقوام الرشيق من أهم ما يمنحها الرضى عن نفسها ورضى الاخرين عنها ،لكن دائما نجد المرأة أكثر ضعفا وعدم الثقة لصورتها أمام المرآة حتى وإن كانت تتمتع بقدر كبير من الجمال ، فهي أكثر تحسسا من ابسط شيئ قد يتغير على ملامحها أو جسدها أو يطرأ على تللك الصورة التي تراها يوميا في المرأة لأكثر من عشر مرات على الاقل ، وفي كل مرة تبدي عدم الرضى عن صورتها الطبيعية حسب ما أكدته بعض الدراسات القائلة أن عشر سيدات تقفن أمام المرآة ثمانية منهن لا تشعرن بالرضى عن صورة جسدهن ، لكن تصوروا ان تقع هذه المرأة الجميلة في ما يفقدها جمالها وصورتها ويطمس ملامحها ويشوه وجهها وقد يكون ذلك نتيجة حادث أو حروق أو مرض جلدي أو بتر للأعضاء ، فكيف تعيش مع نفسها ومع مجتمعها.
فالمرأة التي تعاني من التشوه الظاهر على وجهها نتيجة تعرضها الى حروق من الدرجة الثانية أو الثالثة تفقد الحياة الاجتماعية وتنعزل وتنطوي على نفسها ، ونادرا ما نرى أن امرأة مشوهة الوجه تجوب الشوارع وتتسوق وتزاول حياتها العملية والاجتماعية وتعيش قصص حب وزواج في المجتمع الجزائري الذي يطاردها بنظرات تختلط فيها الاشمئزاز مع الشفقة مع التعجب مع الفضول في معرفة حقيقة ما اصاب هذا الوجه ، فقد صعدت فتاة تبدو من قامتها وجسدها أنها في الثلاثين من العمر لكن ملامح وجهها لا يمكن أن تميز من خلالها كم عمرها لأنها مطموسة تماما نتيجة حروق قديمة شفيت منها بشكل عجيب ، صعدت الفتاة الترامواي من موقف الخروبة باتجاه سوريكال بباب الزوار ، ولم يبق من وجهها سوى عينان سوداوان مفتوحتان ، لا يعلوهما لا جفنان ولا حاجبان ، فكانت تبدو ككتلة عجين عبث بها طفل صغير وأسنان وفك شبه عار بدون شفتين ، ربما أكون قد تجاوزت الانسانية في وصف هذه الفتاة التي لا أزال اتذكر صورتها الى غاية اليوم ، وجلست امامي في مقعد كانت تسأل في الهاتف عن الموقف التي ستنزل فيه لأنها لا تعرف العاصمة وهي قدمت من وهران لرؤية بروفيسور في مستشفى مصطفى باشا ،كانت الفتاة تتحلى بقدر كبير من الشجاعة تنظر الى خارج زجاج الترامواي وتتحاشى نظرة الناس إليها ، لكن نظراتها من حين لأخر اشعرتني بأنها محرجة جدا ، خاصة وأن الراكبين جميعا كانوا يسترقون النظر سرا اليها ولو للحظات قصيرة ،فتقع عينها على اعين الناس فتخجل ، لم استطع من شدة صدمتي أن أحرجها بالسؤوال على الرغم من أنني كنت أرغب في معرفه ما وقع لها وكيف ومتى وهل ستتعالج أم ستخضع لجراحات تجميلية ،فهذا فضول قاسي وغير انساني ، كانت الفتاة بدون أن تتكلم او تعبر تظهر اسى في نفسها وألما شعر به كل من حولها وأشفق عليها
ليست المرة الاولى التي يشاهد فيها الناس امرأة مشوهة بهذا الشكل لكن هناك الكثيرات ممن لا تجرأن الخروج من البيت والاحتكاك بالناس لأن المجتمع يفرق كثيرا بين المرأة المشوهة والرجل المشوه فالرجل لا يستحي ولا يحرج من الظهور بوجه محترق او بساق مبتورة أو بعين مفقودة في حين المرأة حتى وإن خضعت لجراحة بسيطة على الزائدة الدودية فهي ستشعر بالحرج فما بالك أن تصاب بتشوه في اعز ما تمللك في جسدها وهو الوجه،
تقول الاستاذة الجامعية باي بادية وهي مختصة في علم النفس الاورتوفوني أن التشوه الذي يصيب المرأة في المجتمع الجزائري يكون أكثر قسوة من التشوه في المجتمعات الاخرى الاوروبية لأن الجمال عندنا مرتبط بفكرة القبول والزواج الذي اصبح مستوى وليس “مكتوب”فهو بمثابة شهادة أو ديبلوم عالي تسعى اليه المرأة مهما كان مستواها الثقافي والاجتماعي ، وتضيف الاخصائية أن المرأة المشوهة تصبح تحمل عيوبا في جسدها لا تتقبلها وتعيش في عقدة نفسية خطيرة فتتجه إما للإعلاء اي التفرغ للدراسة والبحث والعمل وتتقبل إعاقتها أو تنعزل وتنطوي ،وتقول الاخصائية أن هناك الكثير من السيدات والمراهقات المشوهات جسديا تطرقن باب الاخصائيين النفسانيين للعلاج ربما لأبسط تشوه حتى وإن كانت النحافة والتأتأة والسمنة .
لدى زيارة قادتنا الى مستشفى الحروق بالأشخاص البالغين بالدويرة التقينا بعدد كبير من السيدات تعرضن لحروق بالغة تلقين العلاج بالمستشفى ، لكن الكثير منهن بعد العلاج تعرضن للطلاق ، حيث يرفض الزوج الحياة مع امرأة مشوهة حتى وإن كانت قد تشوهت وهي تخدمه وتخدم عائلتها في بيته ، وقد حدثتنا سيدة عن فتاة لا تتعدى الثالثة والعشرين من العمر طلقها زوجها بعد تعرضها لحروق في وجهها في ثاني ايام الزواج عندما كانت تهيب بتشغيل مسخن الماء فانفجر في وجهها وتسبب لها في تشوهات على مستوى جسدها وبمجرد شفائها من خطر الحروق طلقها بسبب التشوه ،في حين أن نساء في المستشفى رافقن أزواجهن وقد اصيبوا بحروق وتشوهات كبيرة أفقدتهم ملامحهم ، ونجد الزوجة لا تكف عن البكاء كلما نظرت الى زوجها المشوه ويزداد تمسكها به وخدمتها ومحبتها له ،وهو ما يؤكد أن مكانة المرأة في المجتمع وحتى في بيت زوجها يختزل في جسدها .