المراقبون الجوّيون.. أرواحكم بين أيدينا ونعيش الرعب كلّ لحظة
يعتقد الكثيرون أن حركة الطائرة تتوقف عند قائدها ومساعديه، جاهلين بذلك العمل الجبار الذي يقوم به جنود الخفاء، الذين يعيشون الضغط والقلق يوميا في سبيل أن تقلع وتحط الطائرة سلام، إنهم المراقبون الجوّيون، “الشروق” قضت يوما برفقتهم في برج المراقبة بمطار هواري بومدين ورصدت الصعوبات التي تواجههم يوميا..
قبل أن ننتقل إلى مطار هواري بومدين التحقنا بالمؤسسة الوطنية للملاحة الجوية، حيث تحدّثنا إلى سفير يوسف المدير العام للمؤسسة، الذي لخص لنا بعض الأمور التي تتعلق بالعمل اليومي للمراقب الجوي وكذا كيفية توظيفه..
هكذا يتم توظيف المراقبين الجويين..
يوظّف المراقبون الجويون على أساس مسابقات يعلن عنها في الجرائد، وحسب سفير يوسف فإن آخر مسابقة ترشّح لها أكثر من 1300 شخص تنافسوا على 20 منصبا، وحدّد المستوى العلمي المطلوب بالبكالوريا + سنتين دراسة جامعية تقني، كما يجب أن يتقن المترشح اللغتين الفرنسية والانجليزية، ويخضع لاختبارين للتأكد من المستوى.
ويستفيد الناجحون من تكوين مدة عامين بمدرسة الدفاع الجوي واختبار التأكد من السلامة الصحية بالمستشفى العسكري بعين النعجة، مشيرا إلى أن التكوين الذي يخضع له المراقبون الجويون يشبه إلى حد بعيد التكوين الخاص بالطيارين وبعد انتهاء العامين ونجاح المترشحين يلتحقون بمناصبهم ويخضعون أيضا لتربص تطبيقي لمدة ستة أشهر، يتعلمون خلالها كيفية تسيير الأجهزة والرادارات الموجودة في برج المراقبة.
وأوضح محدثنا أن المراقب الجوي المؤهل يجب أن يخضع بعد انتهاء فترة التجربة إلى اختبار كتابي ويتحصل على معدل يفوق 13 من 20.
250 ألف حركة جوية يسيرها مركز المراقبة سنويا
كشف المدير العام للمؤسسة الوطنية للملاحة الجوية أن مركز المراقبة الجوية يسير 250 ألف حركة جوية سنويا، قائلا أن الملاحة الجوية الوطنية لا تعد الأفضل على الإطلاق، إلا أنها تملك موظفين من خيرة العاملين في هذا المجال، إضافة إلى خبرتهم وحنكتهم في تسيير الكثير من المشاكل والصعوبات التي تواجهها الطائرة أثناء إقلاعها أو في الإقليم الجوي وعند هبوطها كذلك، وهو ما أثبتوه في عديد المناسبات، آخرها حادثة عودة طائرة الجزائر مرسيليا، حيث قال إن الطيار كان ذكيا حينما قرّر العودة لأنه كان في مواجهة رياح قوية، لذا استوجب الأمر أن يعود أدراجه حتى تدفعه تلك الرياح من الخلف لأنه لو أكمل الرحلة لكانت الرياح أقوى من سرعة الطائرة التي كانت بحاجة إلى إصلاح خلل لا يعد من الأعطاب الكبيرة، حسب المتحدث، الذي أثنى على الطيارين الجزائريين قائلا أنهم لا يجازفون بحياة الركاب ويحرصون على سلامتهم دائماّ، لذا يبحثون عن الحلول التي تنقذ الموقف دون المساس بحياة المسافرين.
الهدوء والتركيز أهم مواصفات المراقب الجوي
بمجرد وصولنا إلى برج المراقبة على مستوى مطار هواري بومدين، لاحظنا أنه ينقسم إلى عدة أقسام، وهو ما أكدته لنا رئيسة المصلحة، التي قالت إن مهمة المراقب الجوي تنقسم إلى مراحل، حيث يعنى القسم الأول بمراقبة الطائرة على مدرج الإقلاع وتوجيه الطيار للممرات الواجب أن يتبعها وكذا تغيير الممرات في حال كانت المعنية ممتلئة، وهي الأمور التي يجب أن يركز فيها المراقب الجوي في هذا القسم والذي يكون على تواصل مع قائد الطائرة بواسطة الجهاز اللاسلكي ويوجهه من خلال مراقبة الحركة على جهاز الكمبيوتر المقابل له وكذا من خلال واجهات البرج المكشوفة على ممرات الطائرات، كما يضع المراقب أمامه لوحات صغيرة كتب عليها البيانات الخاصة بكل طائرة على غرار ساعة الإقلاع، رقم الرحلة، اسم شركة الطيران، الاتجاه والسرعة، وهي الأمور التي يقوم الطيار بمنحها للمكتب الخاص بمخطط الطيران، وهي المرحلة التي تسبق المراقبة الجوية وتعتبر أهم مرحلة فيها، بعد انتهاء مهمة قسم برج المراقبة والتي تنتهي بمجرد إقلاع الطائرة، يتم تحويلها إلى قسم الاقتراب الذي يتبع مسارها عشرين دقيقة في الجو لتحول إلى مركز المراقبة الجهوية لإتمام عملية المراقبة إلى غاية وصول الطائرة إلى وجهتها.
خلال ملاحظتنا للمراقبين أثناء أداء مهمتهم كان “أمين هدي” رئيس مصلحة الحركة الجوية و”توفيق عريبي” رئيس فرقة لبرج المراقبة يقومان بشرح بعض الأمور التي استعصى علينا فهمها وهي أمور تقنية لا يفهمها سوى أصحاب الاختصاص.
اغتنمنا فرصة راحة “نعيمة طوطاوي” وهي مراقبة جوية منذ عشر سنوات لنتحدث إليها قليلا عن أهم مواصفات المراقب الجوي، فأجابت أنه يجب أن يتميز بالهدوء والتركيز وبرودة الأعصاب، كما يجب أن يكون فطنا لكل حركة وقادرا على الجمع بين عدة مهام في آن واحد، وهو الأمر الذي يصعّب مهمتهم ويجعلها تستدعي الكثير من الراحة، لذا فهم يعملون ساعة ونصف ويرتاحون ساعة ونصف أخرى وفق نظام المناوبة.
في حال حدوث خلل لا نسمح بإقلاع الطائرة
قال توفيق عريبي إن المراقبين الجويين يضعون حياة الركاب فوق كل اعتبار، فإذا أعلمهم قائد الطائرة بوجود عطب قبل الإقلاع فإنهم يوقفون حركتها في المطار ولا يسمحون لها بالإقلاع حفاظا على حياة الركاب، وهي أمور تحدث معهم بصفة دائمة، إلا أن المشاكل التي تواجه قائد الطائرة تختلف من مشكل إلى آخر وهم يقومون بالتصرف تبعا لحجم العطب، فإذا كان عطب صغير على غرار تعطل حركة غلق وفتح الباب فإن الشركة الخاصة بالطائرة ترسل ميكانيكيين لإصلاحها ومن ثم تقلع الطائرة، أما إذا كان يمثل خطرا على صحة الركاب فتلغى الرحلة إلى غاية معاينة الطائرة وإصلاح العطب والتأكد من إمكانية طيرانها دون أن تشكل خطرا على حياة المسافرين.
علاج المشاكل النفسية والصحية للمراقب بدل الفصل لتجنب الخطأ
وكشف المتحدث ذاته أنهم يحرصون على أن يعمل المراقب في ظروف جيدة ويوفرون له الجو الملائم لأداء مهمته المليئة بالضغوطات، لذا فإنهم يراعون الحالة النفسية والصحية للمراقب، حيث أنّهم يوقفونه عن العمل لفترة في حال لاحظوا أنه يعاني من إرهاق نفسي أو جسدي، لأن الحالة الجسدية والنفسية للمراقب الجوي تلعب دورا كبيرا في آدائه لمهمته، مؤكدا أنهم أصبحوا يتبعون طرقا جديدة للتعامل مع المراقب الجوي في حال أخطأ في عمله، وهي تكوين لجنة تحقيق للحديث معه ومعرفة الأسباب التي دفعت به إلى الخطأ ومحاولة علاج المشاكل التي يعاني منها ومن ثم سد الثغرة التي جعلته يقع في هذا الخطأ لتفاديها في المرات القادمة، وهي الطريقة التي أثبتت نجاعتها عكس ما كان يتم سابقا، حيث كان المسؤولون يلجؤون إلى العقاب أو الفصل مباشرة، وهذا بعد قرارات جديدة للمنظمة العالمية للطيران المدني التي تنص على مراعاة الحالة النفسية والجسدية للمراقب الجوي.
الطوارئ تتطلب برودة أعصاب وطمأنة قائد الطائرة
تركنا برج المراقبة ونزلنا إلى قسم الاقتراب وهو أهم قسم والمعني بمراقبة الطائرة بعد إقلاعها بحوالي ربع ساعة أو عشرين دقيقة ونفس الشيء لدى هبوطها، وهو القسم الذي يقوم برج المراقبة بتحويل الطائرة له على الرادار بمجرد إقلاعها.
حدّثنا “جمال حارك” مراقب جوي منذ 12 سنة، قائلا أنهم يجب أن يتميزوا ببرودة الأعصاب وفي حال حدوث أي عطب وتلقيهم الإنذار، يقومون بفسح المجال الجوي من خلال الاتصال ببقية الطائرات التي تكون قريبة من مكان الطائرة التي تهم بالهبوط، ويقومون بالاتصال بالحماية المدنية والأمن والقائمين على الصيانة وغيرها من الجهات التي يجب أن تتواجد بالمدرج قبل نزول الطائرة كما يجب إخلاء المدرج من بقية الطائرات، وهي الأمور التي اعتادوا عليها وأصبحوا يحفظون جيدا طريقة التعامل معها، مؤكدا على ضرورة التزام المراقب الجوي بالهدوء والرصانة وعدم الارتباك، حتى يتمكن من تسيير الوضع وأن يعمل على طمأنة قائد الطائرة، لأن هذا الأخير يكون في حاجة لمن يعطيه القوة والشجاعة وهو بين السماء والأرض، وهو الأمر الذي يجب أن يصله من خلال نبرة صوت المراقب الجوي، الذي يبقى على اتصال دائم معه منذ إقلاعه إلى غاية وصوله إلى وجهته، حيث بمجرد دخوله المجال الجوي الدولي يتواصل مع المراقبين الجويين للدولة التي يعبر سماءها.
الورقة والقلم تعوّض الرّادار في حالات العطل
قال جمال إنهم اعتمدوا في الكثير من الأحيان الطريقة الكلاسيكية، والتي تتمثل في الاستعانة بالجهاز اللاسلكي فقط واستعمال الورقة والقلم لتسجيل أهم البيانات المتعلقة بالطائرة وسرعتها وعلوها عن سطح الأرض وغيرها من الأمور، التي تحافظ على حركة الطائرة في المجال الجوي، وهي الطريقة التي تعلموها خلال تكوينهم إضافة إلى أمور أخرى يجب أن يتقنوها، حتى يتمكنوا من مواجهة بعض الصعوبات والمشاكل التي تواجههم يوميا أثناء أداء مهامهم، مؤكدا أن أعطاب الرادار تتكرر وهذا لأسباب تقنية إضافة إلى أعمال الصيانة.
تجنّبنا كوارث قاتلة ولا داعي للتهويل
اعتبر جميع المراقبين الذين تحدثوا إلينا المشاكل التي تواجههم يوميا أثناء عملية مراقبة الطائرات أخطر بكثير من الحوادث التي تصنع ضجة في وسائل الإعلام، على غرار التهويل الذي رافق حادثة رحلة الجزائر مرسيليا الأخيرة على حد تعبيرهم، قائلين إنهم يصادفون مثل هذه الحوادث يوميا وأنهم يتأقلمون مع الوضع وفي بعض الأحيان يتحكمون في حوادث أخطر من تلك التي تقوم وسائل الإعلام بتداولها، مؤكدين أن هذه المهنة هي مهنة الضغوطات والعصبية، كما أن العاملين بها يكونون عرضة للعديد من الأمراض، على غرار ارتفاع الضغط الدموي والسكري وغيرها من الأمراض التي يكون عامل القلق أساسيا في إمكانية إصابتهم بها.


