“المربوطات” في”التلفون”
في الوقت الذي ترابط فيه الفلسطينيات على أبواب المسجد الأقصى وتستميت للدفاع عن مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، “تستبسل” الكثير من فتياتنا للحفاظ على أجهزة الهاتف الجوال بعيدا عن عين أخ يراقب، أو أذن أب يتوعد.
وعندما يرخي الليل سدوله، تنطلق الرنات المكتومة، والأصوات الخافتة لتنسج علاقة عابرة تتنهي عندما يمل الطرفان من بعضهما، أو ترسم ملامح قصة تنتهي في الغالب نهاية سيئة للفتاة وحدها، ويكفي أن نفتح صفحات الجرائد لنقرأ أخبارا مشينة عن فتيات هربن من بيوتهن بإيعاز من شباب ورجال تعرّفن عليهم عن طريق الجوال ليجدن أنفسهن مخطوفات أو ضائعات في الشوارع.
وعلاقات أخرى مريبة تبدأ من المؤسسات التربوبة أو من مواقع التواصل الإجتماعي، أو حتى من خلال الهاتف نفسه، عندما يتلقى أحد الطرفين اتصالا خاطئا لتبدأ العلاقة بين شخصين لايعرفان عن بعضهما شيئا، وينسى كل واحد منهما نفسه ويتقمص دور شخصية جميلة ومثالية تروق للآخر.
ويحضرني في هذا السياق قصة فتاة متوسطة الجمال أعرفها جيدا، تعرّفت على شاب من ولاية مجاورة عن طريق الهاتف، وتوطدت العلاقة بينهما على النحو الذي جعله يزور أهلها للتعريف بنفسه قبل أن يتقدم بصفة رسمية مع أهله، ولأن الفتاة لم تكن على قدر من الجمال كما وصفت له نفسها في الهاتف، وهو ابن أسرة ثرية تمارس الطب، لجأت إلى خطة ماكرة، حيث تركت والدتها ذات الحسن تقابله حتى يعتقد أنها تشبهها، وعاد الشاب إلى ولايته دون أن يرى فتاة”البورتابل”، وظنت هي أنها ستورطه في خطبة رسمية في المرة القادمة حينما يحضر أهله، ولكنه أصرّ على أن يراها بعيدا عن بيتهم قبل هذه الخطوة، وإذ به يقطع علاقته بها نهائيا مرة لأنها حاولت أن تكذب عليه، لأنها لم تكن جميلة كما تصورها.
كذلك الحال مع الكثير والكثير من الفتيات اللواتي يعتبرن الهاتف الجوال جسّرا مهما للعبور إلى الزواج الذي تأخر، فتقوم الواحدة منهن بتشكيل رقم عشوائي مع الحرص على الكلام بلطف ورقة ليخضع قلب الرجل الذي تكلمه، دون أن تحسب حسابا أن هذا الشخص الذي تجاوب معها ربما يكون كبيرا في السن أو متزوجا أو “صعلوكا” أولصا محترفا، وتظل مرابطة أمام الهاتف الذي يكون عادة في وضع صامت أوهزّار منتظرة المكالمة المهمة التي تنقلها من حال إلى حال، في الوقت الذي يبيّت الطرف الآخر نية سيئة لاتتكشّف لها.
هكذا هو حال معظم الفتيات اللواتي لا يجدن الوقت لتعلم أكلة لذيذة، أو صنعة مفيدة، وكيف يكون ذلك وهن يقضين أكثر ساعات الليل والنهار “مربوطات” في”التلفون” في انتظار “طارق” يطرق فجأة فتكون في استقباله، وما يزيد الوضع ملائمة لهؤلاء الفتيات أن شركات الإتصال المختلفة تتيح للمشترك التحدث لساعات بمبلغ زهيد، وربما تهديه وحدات كثيرة ليدفع ثمنها” أمثالي”ممن يجدون أنفسهم “مربوطين”في الهاتف يستمعون إلى الطرف الآخر وهو يتحدث عن القطة التي قفزت من النافذة، والجارة التي ضربت جارتها، والفتاة التي فسخت خطبتها.. حسبي الله ونعم الوكيل في شركات الاتصال..