المستَعْمَرَةُ القرآنية
ما أظن شعبا في هذا العالم ابتُلي بمثل ما ابتُلي به شعبنا المسلم، حيث خطت الأقدار في صحيفة تاريخه أن يبتلى بأخبث استعمار عرفته البشرية إلى يوم الناس هذا، وهو “الاستعمار” الفرنسي الذي يستهدف القلوب والعقول قبل استهداف الحقول، ولهذا كان هدف فرنسا- البنت البكر للكنيسة – وما يزال هو تنصير الجزائريين كمرحلة أولى لفرنستهم.
ومن جنود فرنسا لتحقيق هدفها الخبيث ذلك الصليبي الحقود، شارل لافيجري، مؤسس أخطر جمعية تنصيرية، وهي “جمعية الآباء البيض” وما نَسَلت “جمعية الأخوات” و”جمعية إخوان الصحراء المسلحين”، ومجموع هؤلاء هو ما سماه أستاذنا أبو القاسم سعد الله “جيش لافيجري”.
كان شعار هذا الـ “شارل”، وما أكثر الشارلات في فرنسا، ابتداء من شارل مارتيل إلى شارل دوغول؛ كان شعاره الخيبث هو “علينا أن نخلص هذا الشعب ونحرره من قرآنه، وعلينا أن نعنى بالأطفال لتنشئتهم على مبادىء غير التي شبّ عليها أجدادهم، فإن واجب فرنسا هو تعليمهم الإنجيل (أي إنجيل فهي أربعة؟) أو طردهم إلى أقاصي الصحراء”.
لم تترك فرنسا الصليبية وسيلة من الوسائل الخبيثة لتحقيق ذلك الهدف الخبيث إلا استعملتها، ولكن شعبنا الذي أشرب حب الإسلام و”لا يعرف – كما صرح الوالي العام الفرنسي في الجزائر في 1952 – أية سلطة إلا سلطة الله الواردة في القرآن”. (جريدة المنار 14 نوفمبر 1952 ص1)؛ صمد لتلك الحملة الصليبية، واستعصم بالقرآن الكريم، وراح يبذل في سبيله قليل موجوده ليضمن بقاء وجوده، وطبق أمر الله – عز وجل- لرسوله – عليه الصلاة والسلام- في مرحلة الاستضعاف، لمواجهة كفار قريش ومكائدهم وهو “وجاهدهم به جهادا كبيرا”، فانتشرت الكتاتيب القرآنية في طول الجزائر وعرضها لتحفيظ القرآن الكريم ولو من غير فهم..
أنجبت الجزائر ثلة من الرجال فقهوا الإسلام حق الفقه، وأدركوا هدف فرنسا حق الإدراك فآلوا على أنفسهم أن يبطلوا باطل فرنسا كلفهم ذلك ما كلفهم من نُصْبٍ وعذاب..
من أبرز أولئك الرجال، الذي كان – كما وصفه الإمام الإبراهيمي “فنّا في الرجولة” هو الإمام ابن باديس الذي وقف نفسه على الإسلام والجزائر، فوفقه الله – الموفق لكل خير- إلى إعادة الجزائريين إلى القرآن الكريم بتعليم الجاهلين، وتنبيه الغافلين، وهز نفوس الجامدين حتى صيّر قلوبهم وعقولهم “مستعمرة قرآنية” حيث قال موجها كلامه لمن يعنيه الأمر إن “قلوبنا وعقولنا ليست مستعمرة لأحد إلا لله، وقد استعمرها بالقرآن، وفي ذلك الخير والرحمة لبني الإنسان”. (جريدة البصائر ع 120، في 1 – 7 – 1938، ص4).
لقد كان عمدة الإمام وصحبه في حركتهم الإصلاحية ومنظومتهم التربوية هو القرآن الكريم، وقد أكد الإمام ابن باديس ذلك بقوله: “فإننا نربي – والحمد لله – تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يُكَوِّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها..”. (الشهاب، جوان / جويلية 1938. ص 291)، وهو العدد الخاص بتكريم الإمام ابن باديس بمناسبة ختمه لتفسير القرآن الكريم.
إن تدهور الأخلاق في وطننا، وانهيار القيم في بلدنا سببه أن القائمين على شؤون الأمة أفرغوا قلوبنا من القرآن، وجعلوها “مستعمرة للشيطان” عن طريق “الرّاي”، وكل ما يفسد الإنسان.. وإنه ليس لما نحن فيه من كاشفة إلا العودة الصادقة إلى القرآن، وأخلاق القرآن، وتعليم القرآن، وحكم القرآن..