-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
شيده السلطان الحسن بن سعد عام 1340 م

المسجد المريني “طبانة”.. شاهد على عراقة مستغانم

عثمان ابراهيم
  • 901
  • 0
المسجد المريني “طبانة”.. شاهد على عراقة مستغانم
ح.م

ارتبط المسجد العتيق بحي طبانة الأثري بحقبة تاريخية مرت بها ولاية مستغانم، و”طبانة” هي تسمية تركية “طب هانة” أي بطارية المدفعية التي طور سلاحها الباي محمد الكبير، حيث يعد نقطة مركزية بالنسبة للمدينة القديمة بعد أن كان مركزا للقضاء آنذاك بحي طبانة العتيق وبالتحديد بالمبنى المسمى «دار القاضي» المجاور للمسجد المريني الأقدم من نوعه منذ الفترة المرينية، والذي مازال هيكله قائما إلى يومنا هذا كتراث وطني، إلى جانب السور المحيط بمركز البايلك الذي أسس لصد هجمات المسيحيين، وتبقى الآثار الحالية من أهم الشواهد على ذلك العهد المريني.
المسجد المريني الذي يتربع على مساحة 1200 متر مربع، شيده السلطان الحسن بن سعد المريني الملقب بأبي العنان سنة 740 هجري الموافق لعام 1340 ميلادي، ليكون نقطة انطلاق في بناء مدينة مستغانم القديمة، حيث أحاط المسجد بدار القضاء ثم السوق، لهذا يعد منارة أهل مستغانم الذين تعلقوا به وكان بالنسبة لهم مكانا لأداء الشعائر وتدريس أمور الدين والدنيا، وكان للمسجد دور ريادي في الدعوة للجهاد وشحن المجاهدين في ذلك الوقت للدفاع عن الوطن، خاصة أثناء الغزو الإسباني لسواحل المدينة، حيث تم الإعداد لمواجهة العدو انطلاقا من المسجد المريني الذي تعلوه صومعة شامخة لازالت موجودة ليومنا هذا، تقارع الزمن رغم مرور السنوات.
الأستاذ “فاضل عبد القادر” مؤرخ جزائري يهتم بتراث ولاية مستغانم، كتب عن المسجد المريني، حيث يحتوي المسجد على قاعة للصلاة تؤدي إليها ثلاثة أبواب مقوسة، فالرئيسي منها يقع في الجهة الغربية ذو مصراعين، وإلى الغرب من هذا الأخير بابان أحدهما يؤدي إلى قاعة الوضوء، والآخر يؤدي إلى قاعة لتعليم القرآن الكريم، أما الجهة الشرقية يعلوها بابان أحدهما يؤدي إلى مصلى خاص بالنساء، والباب الثاني صغير يؤدي إلى جوار المحراب، محراب ذو قبة نصف دائرية والذي حفر في الصخر.

أصل التسمية
غطي المسجد بسقف من الخشب الأحمر يرفعه أربعة وخمسون عمودا مضلعا فقدت أصالتها، بحيث لم يحافظ المشرفون على الدراسة التقنية الخاصة بالترميم على الآجر الأحمر الذي تتكون منه تلك الأعمدة والذي انطمس تحت الخزف الصحي العصري. يتخلل قاعة الصلاة 52 سارية، أما جدار الوجه البحري تعلوه ثمان نوافذ يهب منها نسيم البحر، تشرف على منحدر صخري الذي ينتهي عند سرير وادي عين الصفراء الذي شطر مدينة مستغانم إلى ضفتين غربية وشرقية.
وأضاف الأستاذ أن مقصورة الإمام تنزوي بين قاعة الوضوء وقاعة الصلاة، أما المئذنة المضلعة الشكل الشامخة قبالة الوجه البحري، يعلو في جوفها سلم يرتفع في شكله الحلزوني والمتكون من تسع وسبعين عتبة. أبرز التحف الأثرية بمسجد الطبانة التسمية التركية “طب هانه” المعروفة ببطارية المدفعية التي طور سلاحها الباي محمد الكبير إلى العيار الكبير، وصفيحة رخامية طولها لا يتعدي 60 سم وعرضها 40 سم، كتب عليها نص بالخط العربي المغربي، والتي أنقذها من التلف إمام المسجد الحالي السيد “مجدد عبد الله” الذي وجدها مرمية في البلدية وأعادها لتثبت على يمين المحراب بعد تنظيفها، وقد ترجم نصها إلى الفرنسية السيد تيرو، إذ سبق له وأن ترجم نصوصا أثرية بفاس، والصحيفة الرخامية هذا نصها: “أمر ببناء هذا الجامع المبارك وشيده مولانا السلطان الأعدل عبد الله أمير المسلمين والمجاهد في سبيل ربّ العالمين، ابن الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي يوسف عبد الحق، وصلى الله على نبيه وبلغه من فعل الخير بعينه ومقصوده، وذلك في عام اثنين وأربعين وسبعمائة 742هـ، وحبس عليه خلد الله مفاخره وأيد ثراه، حانوتين كبيرين بالسوق الكبير فتح بابهما قبلة، وهما الملاصقان لدار أبي عزوز، وفرنين اثنين أحدهما قبلي لهذا الجامع المبارك والآخر عن يمين الجامع من باب البلد، وثلاث جِرار من الزيت المصفى في العشر، لتصرف غلات الريع المذكور في مرتب الإمام الخطيب وقراء الحزب والمؤذنين والحصر بعد الرق والإصلاح….”.
نستنبط من هذا المقتطف من النص أن مستغانم نعمت كبعض مدن المغرب والأندلس إلى جانب الازدهار المادي بحركة فكرية جلبت إليها طلبة العلم ورجال الصوفية وعلماء الشريعة، فغدت قبلة لهم، وساهم رجالها في الحفاظ على مقومات الشخصية العربية الإسلامية التي حاول الاستعمار طمسها. كما نستنبط من هذا النص زيادة على الدور الديني للمسجد، دوره الاجتماعي بحيث يتكفل بأجر من يقوم على نظامه وذلك من خلال استقلاليته المالية.

“الاستدمار” يحوله إلى مربط للخيول
وعندما وقعت مستغانم في أيادي الغزاة الفرنسيين في 28 جويلية 1833 م استولى عساكر الاستدمار على المسجد العتيق مسجد المحال أو مجسد الطبانة كما هو معروف اليوم، وحولوه إلى مخزن للذخيرة وقاعات أخرى مراقد للحراس والصومعة برجا للمراقبة، كما تشير بعض الدراسات أنه اتخذ كمربط للخيول، وأمام هذا الطغيان، لجأ السكان إلى اتخاذ مسجد سيدي يحي بن ستي الراشدي مصلى لتأدية الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، والذي يوجد بأعالي هضبة حي الدرب، إلى أن حل نابليون الثالث بمستغانم 14/6/1865 فاستقبله سكان الأحياء العربية منها حي الطبانة والمطمر بلافتة مكتوبة بالعربية: “من بنى مسجدا بنى الله له قصرا في الجنة”ـ فأمر نابليون مقربيه بترجمة ما كتب، ولما تيقن بأن أعيان المدينة طالبوه بإعادة المسجد للمسلمين، فدعا عساكره إلى فك الحصار عن هذا المعلم التاريخي العتيق، وهي اللفكرة مستنبطة من الفرنسي مارسيل بودان.
للإشارة سعت السلطات إلى ترميمه لكنه لازال فريسة للرطوبة والتآكل ومكتبته باتت مأوى لعائلات عوض تحويلها إلى فضاء بيداغوجي تربوي تعليمي وتجهيزها بوسائل المعلوماتية لامتصاص البطالة وتقويم النفوس التي تزاد انحرافا من يوم إلى آخر.
وبعد الاستقلال مباشرة أعيد المسجد لوظيفته وطبيعته الأولى رغم تدهور المبنى، حيث ظهرت به تشققات، فاضطر المسؤولون إلى غلقه أمام المصلين الذين طالبوا بفتحه مرة أخرى، وقد أعيد ترميمه سنة 2004، وهو الآن تصلى فيه الجمعة والصلوات الخمس.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!