المسلمون بين الجهاد الصّحيح والجهاد الفاسد
المتأمّل لواقع المسلمين في هذا الزّمان، يلحظ كيف أنّ أكثرهم تناسوا فريضة الجهاد، وأصبحوا كأنّهم غيرُ مخاطبين بها، بعد أن تواطأت دوائر المكر في هذا العالم خلال القرن الأخير على تشويه “الجهاد” وتحريفه، حتى فجعت الأمّة في السّنوات الأخيرة بعباد -يفترض أنّهم مسلمون- يطعنون في الراية الصافية الناصعة في هذا الزّمان، راية الجهاد في أرض الرباط فلسطين التي أوصى النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- بإعلائها والانضمام إليها في آخر الزّمان، حين قال: “أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكاً ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادم الحمر؛ فعليكم بالجهاد وإن أفضل جهادكم الرباط وإن أفضل رباطكم عسقلان”.
لقد صوّر النّظام العالميّ للأمّة أنّ الجهاد قرين التطرّف الإرهاب، حتّى أصبح المسلمون يخافون من اجتماع الحروف الثلاثة “جـ،ه،د” في كلمة واحدة، ويتحرّزون من استعمالها، بعد أن صنع لهم هذا النظام الماكر جماعات متطرفة حرّفت الجهاد ووجّهت الأسلحة إلى صدور المسلمين، وصوّر لهم أنّ كلّ من يدافع عن دينه وأمّته ووطنه تحت راية الإسلام فهو من طينة هذه الجماعات المتطرّفة، حتّى رأينا الصهاينة المحتلين يصفون حركة المقاومة الإسلامية حماس بأنّها جماعة داعشية!
على الرّغم من أنّ الأمّة المسلمة في هذا الزّمان يُدنّس أقصاها وتنتهب أرضها المقدّسة وتتداعى الأمم لاحتلال أراضيها واستباحة خيراتها، إلا أنّ أغلب رجال الأمّة ما عادوا يحدّثون أنفسهم بالجهاد، ولا يتمنّونه، وهذا خطر ماحق يهدّد الإيمان، يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق” (صحيح سنن أبي داود).
هناك مسلمون أصغوا لوساوس بعض الطّوائف التي سعت في إفساد الدّين، وكذبت على المسلمين حين قالت لهم إنّه لا يجوز لهم جهاد العدوّ حتّى يجاهدوا أنفسهم وينتصروا عليها، وحتى يكونوا صالحين! وهذا من التلبيس، لأنّ المسلمين جميعا مخاطبون بالجهاد كما هم مخاطبون بالصلاة والصّيام، وإذا كان لا يجوز ترك الصّلاة بحجّة الوقوع في الذّنوب، فكذلك لا يجوز ترك جهاد المحتلّ بحجّة مواقعة بعض الذّنوب والمعاصي.. والجهاد سبب من أعظم أسباب الاستقامة وتكفير الذّنوب والخطايا.. والسيرة تشهد أنّه قد جاهد مع النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- من لم يمض على إسلامه إلا ساعات معدودات، وسجّلت كتب السير أنّه قد شارك في معارك الأمّة الحاسمة من يحمل معه ذنوبا يرجو من الله أن يخلّصه منها، كما حصل مع أبي محجن في معركة القادسية في السّنة 15هـ.. وقبل هذا؛ ألم يقل المولى سبحانه: ((فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ))؟
كثير من المسلمين، لم يقفوا عند حدّ نسيان الجهاد بالأنفس والأرواح، حتى نسوا الجهاد بالمال والجهاد باللّسان، واكتفوا بأن يشاركوا النّساء ويزاحموهنّ على جهادهنّ! وجهاد النّساء هو الحجّ والعمرة، فقد سألت أمّ المؤمنين عائشة –رضي الله عـنها- النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: “نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة” (ابن ماجة).. والمتابعة بين العمرة والعمرة، خاصّة في زمان تحتل فيه الأرض المقدّسة ويتكالب فيه الأعداء على أمّة الإسلام؛ ليس ميدان التنافس المفترض بين الرّجال، إنّما ميدان الرّجال هو الجهاد بالأنفس والأموال.
الجهاد الصحيح فريضة من أعظم فرائض الله، يخاطب به المسلمون في كلّ زمان ومكان، كيف لا وهو سبب صلاح أمرهم وتمكينهم في الأرض وعزّهم في الدّنيا؟ بل هو سبب صلاح العالم، لما يترتّب عليه من ظهور الدّين الحقّ الذي ارتضاه الله للبشرية، ومن إعلاء كلمة الله ونصر دينه، ونصر عباده المؤمنين، وإغاثة المظلومين والمستضعفين ولو لم يكونوا مسلمين، وإخراج العباد من عبادة العباد وعبادة الشهوات إلى عبادة ربّ العباد وفاطر الأرض والسّماوات، ومن ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، لأنّه يقتضي أن يبذل المسلم روحه وماله لله، لا يرجو إلا رضا مولاه والتمكين لدينه جلّ في علاه، يقول النبيّ –صلـى الله عليه وسلم-: “أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ، وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَاد” (الترمذي).
الجهاد في سبيل الله هو أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله، فقد سئل النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: أي العمل أفضل؟ فقال: “إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ”، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: “الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: “حَجٌّ مَبْرُورٌ” (البخاري ومسلم).
الجهاد في سبيل الله، هو التجارة الرابحة، يقول الله –تعالى-: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين)) [الصف: 10 – 13].
المجاهد الذي يبذل روحه ويستشهد في سبيل الله، له عند الله ست خصال، يقول النبيّ –صلـى الله عليه وسلم-: “لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ”.
المجاهدون الذين يبذلون أرواحهم رخيصة في سبيل الله، لهم عند الله في الجنّة مائة درجة عالية لا تعلوها غير منازل الأنبياء ومنازل الصديقين: يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ – أُرَاهُ قَالَ: وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ”.
باختصار: الجهاد رفعة وعزّ وشرف في الدّنيا، ومنازل عالية في الآخرة.. والمسلم مطالب بأن يحدّث نفسه به في كلّ وقت ويتمنّاه ويرجو أن يكون له حظّ منه. ويدعم الجهاد الصّحيح الذي توجّه فيه الحراب إلى الكافرين المعتدين، وليس إلى عباد الله المسلمين.. ومن يصدق الله يصدقه. يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “من سأل الله الشهادة صادقا بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه” (صحيح سنن أبي داود).