الشروق العربي

المسنون في الجزائر يواجهون العزلة ويدمنون العادات السيئة

نسيبة علال
  • 4795
  • 0

عندما يفرغ الأفراد من مسيرتهم المهنية المتعبة، ويحالون على التقاعد في سن متقدمة، يتفرغ كثيرون لاستثمار المال في الحالة النفسية، ورفع المعنويات وتعديل المزاج، فيما يستعمل بعضهم راتب التقاعد للحفاظ على صحتهم، فيزور المنتجعات للراحة والاسترخاء، والحصول على عناية خاصة، وتظل فئة أخرى، تعاني من كثرة النفقات وقلة الميزانية، وغياب مرافق الترفيه، ما يدفعها إلى تبني عادات سيئة في أرذل العمر، كالقمار على ألعاب شعبية، والجلوس في أماكن وإدمان التدخين وبعض الموبقات.

يتحدث الأستاذ لزهر زين الدين، خبير اجتماعي، عن ضرورة احتواء كبار السن، وتخصيص مرافق لهم: “المسجد ليس المكان الوحيد الذي يمكن لشخص في نهاية العمر أن يقضي فيه أوقات فراغه الكثيرة، فمن هذه الفئة مثقفون يميلون إلى القراءة وممارسة أنشطة علمية، بالاختلاط بأقرانهم وتبادل خبراتهم، ومنها من يهتم بالرياضات، لكنهم يخشون سخرية الرجعيين، بالإضافة إلى أن القاعات غير مهيأة لاستقبالهم، إن وجدت على مقربة منهم”.

نمط حياة مختلف

لطالما اشتغل كبار السن بالفلاحة، وبعض الحرف الإنتاجية، عندما كانت الأرض لا تزال عذراء، تفتح ذراعيها لمن يخدمها. أما آخر الإحصائيات التي قام بها الديوان، فقد كشفت أن 82 بالمئة من الأشخاص الذين يفوقون سن الستين متمركزون اليوم في المدن، بسبب الخدمات الصحية والنزوح، ما يعني أن ممارسة أنشطة كهذه تصبح أمرا نادرا.

إن انعدام القدرة عند أغلب المسنين على مواكبة التطور التكنولوجي السريع، لأن لديهم عقدا حثيثة تجاه الأجيال التي تلَتهم، جعل الكثير من كبار السن يفضلون العزلة، وينتهجون الصمت، لتفادي الوقوع في حرج جهلهم لتطورات العالم التي تصل عبر الإنترنت، أو لعدم قدرتهم على استخدام الرقمنة، وإن كانت محدودة الانتشار هاهنا.

تراجع التواصل بين الأجيال

اختلاف وجهات النظر بين الجيلين القديم والحديث، والفجوة العميقة التي خلقتها العولمة، لا تزال تخلق لنا تغيرات اجتماعية غير محسوبة، فنقص التواصل تسبب بشكل أو بآخر في تفكك الروابط الأسرية، ويستمر في القضاء تدريجيا على قيم التضامن الأسري والاجتماعي، بسبب انغماس جيل الإنترنت في هواتفهم، واتباع أنماط عيش هجينة، مثل اختيار الوحدة، والسياحة على مدار العام، المشاريع والعمل بإجهاد لكسب المال.. تاركين خلفهم شخصا واحدا على الأقل في كل منزل يصارع العزلة، ويروي للجدران بصمت أمجاد ماضيه، فلم يعد جيل اليوم يجالس سابقيه، ولا يقتدي بهم.

هكذا يجب إدماج فئة المسنين

تتزامن فترة التقاعد مع الإحساس بعدم الجدوى، لدى الكثير من المسنين، بحيث يتنامى لدى أغلبهم شعور بأنه لا أحد صار في حاجة إلى خدماتهم، التي انتهت أصلا. البعض يقدم على التطوع، بينما يعجز كثيرون عن مواصلة العطاء. وقد تتسبب الظروف الصحية في هذا الشعور أيضا. فمن المعروف، أن كبار السن يعانون من مشاكل صحية كثيرة، من بينها أمراض مزمنة، قد تؤدي بهم إلى فقدان القدرة على الحركة، وتجعلهم حبيسي البيت، بينما يصابون بصدمة أن الجميع من حولهم يعملون ويمارسون الحياة بباسطة، بينما هم عاجزون. هذه، بحسب خبراء، هي الأسباب الشائعة التي تقود العديد من المسنين إلى انفلاتات نفسية، وتجعل عقلهم يهرب من الواقع، فيصابون بانهيارات عصبية، واكتئاب، ويتطور الأمر لدى البعض إلى حالات الزهايمر المتفاوتة والخرف. تقول مريم بركان، أخصائية نفسية واجتماعية: “تهميش كبار السن وعدم إشراكهم في الحياة الاجتماعية، بسبب وضعهم الصحي أو الاقتصادي، يؤثر سلبا على وضعهم النفسي. لهذا، فإن الجمعيات والفاعلين مطالبون بنشر الوعي لدى الجميع، لفك العزلة عن المسنين. على الأفراد الأصغر سنا أن يكونوا أكثر إنسانية، ويتنازلوا عن بعض وقتهم لإدماج ذويهم في التكنولوجيا، وجعلهم يتواصلون عبرها، ويشاركون في أنشطة من خلالها، مع توفير قدر من الاهتمام بهم، عبر مجالستهم والخروج بهم إلى المجتمع، لتحسين وضعهم النفسي”.

مقالات ذات صلة