الرأي

المشكلة ليست في الحكومة!!

حفيظ دراجي
  • 9532
  • 51

صحيح أن التغيير الحكومي رغم تأخره كان له وقعه على النفوس، وقد ينعكس على العقول والمعنويات ويؤدي بالبعض الى الاعتقاد بأن تغيير الوزير الأول بآخر، واستبدال أي وزير مهما كان والمدير أينما كان وحتى اقالة أي مسير أو مسؤول.. كلها تغييرات كافية لإحداث التحولات المرجوة في الوقت الراهن، وفي مجتمع جزائري بخصوصياته وتناقضاته، وبكل قدراته ونقائصه ومشاكله.. ويعتقد أخرون بأن مشاكل الجزائر ستحل ومتاعب الشعب ستزول غدا بقدرة قادر، وبمجرد تغيير الوزراء والمديرين دون تغييرات عميقة في السياسات والممارسات والذهنيات، ودون اصلاح عميق وتجديد شامل على كل المستويات..

المشكلة الحقيقية عندنا وبعلم الجميع ليست في الحكومة بل في الحكم والحكامة، وغياب الحاكم والحكمة اللازمة، وكذا غياب ثقافة الدولة وغياب المؤسسات القوية وقوة القانون، والمشكلة الكبرى في غياب المشروع والاستراتيجية وعدم قدرتنا على الاستثمار في قدراتنا، و تفشي الفساد والظلم والمحسوبية والجهوية التي لن تقدر على حلها الحكومة ولا منسق الحكومة، وليست من مسؤولية مؤسسات أخرى لم ينتخبها ولم يختارها الشعب!!

مشكلتنا مع الممارسات والتصرفات الفردية لمن لا يقدرون قيمة الدولة والشعب ويتصرفون كمن يفعل في ملكيته الخاصة، ويتحكمون في رقاب الناس دون أدنى اعتبار ولا تقدير للنساء والرجال والمؤسسات والقوانين والصلاحيات، مشكلتنا في انعدام مؤسسات قوية تحتكم الى القانون والكفاءة المهنية، وتغييرنا للقوانين والدساتير كل مرة حسب الأهواء والمصالح الظرفية، وبالمناسبة فقد يطل علينا بعد أيام نفس الأشخاص الذين دعوا الى تغيير الدستور السابق على المقاس، ليدعوا الى تغييره مجددا لأن المصالح الذاتية والأنانية تقتضي ذلك..

مشكلتنا في الحقرة بكل أشكالها المباشرة وغير المباشرة التي تمارس علينا ونمارسها ضد أنفسنا وبعضنا البعض، ومشكلتنا في اليأس والخوف اللذين يسيطران على النفوس والعقول والتي تبقى في حاجة الى من يطمئنها ويطبطب عليها، وبحاجة الى قلب يحكمها وليس عقل يتحكم فيها..

مشكلتنا في الفوضى المتفشية في الذهنيات وبعض المؤسسات، وفي الوزارات والإدارات والمستشفيات والمحاكم والمدارس والجامعات وفي الأسواق والمساجد، وفي فوضى القنوات التلفزيونية التي ظهرت قبل صدور القوانين ودفتر الشروط، وفي التلفزيون الوطني الذي قتلناه وقتلنا دوره في تقديم الخدمة العمومية.

مشكلتنا في عدم قدرتنا على الاستثمار في مواردنا وقدراتنا وفي شبابنا وأبنائنا بتكوينهم وتوجيههم وانقاذهم من مستنقع المخدرات والاجرام والسرقة، ومن اليأس الذي سكن عقولهم وهم يشاهدون نفس الوجوه تتحكم في رقابهم وتقرر مصيرهم ونفس الممارسات تتكرر دون رقيب..

مشكلتنا ليست في أحمد أويحيى، ولن تكون في عبد المالك سلال، لأنهما يحملان صفة منسق وليس رئيس الحكومة، وينفذان برنامج الرئيس وليس برنامجهما لذلك لا يمكن محاسبتهما أو الحكم عليهما، ولا يمكن تحميلهما أية مسؤولية سياسية أو تاريخية، وسيأتي اليوم الذي تنكشف فيه كل الأمور ونكتشف كم كنّا مغفلين ومخطئين، وكم كانوا مزيّفين ومخادعين!!

مشاكلنا هي كل الذي سبق ذكره، وهي أعمق وأكبر من ذلك وفي نفس الوقت أسهل بكثير مما نتصور، ولكن لا يقر بها البعض من الساسة الذين تنقصهم الجرأة والشجاعة والصراحة، ولا يقر بها البعض الأخر حفاظا على المعنويات والتوازنات، ومع ذلك فإن الكثير منا يدرك بأن المشكلة ليست في الحكومة السابقة ولا الحالية، وليست في الشعب!

مقالات ذات صلة