المشهد في تونس: تعثر الخطى وتعدد الرؤى
تعيش تونس راهنًا، على تقاطع مشاهد عديدة، متكاملة حينًا ومتعارضة أحيانًا، بدءا بالمشهد “الحكومي” المفتوح على تفاؤل إعلامي دون حدود، فتح الأبواب “ورديّة” على مصراعيها والأمل دون حدود، حين غابت الرؤى السوداويّة عن وسائل الإعلام أو أغلبها، مرورًا بالصراعات الدائرة داخل كلّ من النهضة ونداء تونس (مع اختلاف حالة الاختمار)، دون أن ننسى الوضع الأمني المتراوح بين نجاح في “مقاومة الإرهاب” ومخاوف ممّا تقول وزارة الداخليّة أنّها “خلايا نائمة”، وصولا إلى مناقشة المجلس التأسيسي للمجلّة الانتخابيّة، التي ستمثّل دون أدنى شكّ “المحوّل” الذي على أساسه ستتحدّد الخارطة السياسيّة بعد الانتخابات، “في حال وقوعها”، (كما يقول المتشائمون).
تعدّد بؤر الرؤية جعل وسائل الإعلام التونسيّة والدوليّة، تتفرّق بين المواضيع ولا تتفّق عند حدّ أدنى من التبويب للمواضيع المطروحة داخل غرف الأخبار، ممّا ينمّ أوّلا عن اختلاف (سياسي وأيديولوجي) في الزوايا المعتمدة عند المقاربة وكذلك (وهذا الأهمّ) تباعد الرؤى بين من يبحث عن “الإثارة الفوريّة” من جهة ومن يريد متابعة (ما يراه) تحوّلا على مستوى البنى السياسيّة القائمة.
المشهد الأهمّ لدى المواطن العادي يأتي أمنيّا في المقام الأوّل، بين من يرى أنّ “غياب النهضة” عن الحكم “فكّ أغلال المؤسّسة الأمنيّة” وجعلها “تحقّق مثل هذه النجاحات”، وآخرون يطرحون (ضمن نظريّة المؤامرة) أسئلة تخصّ هذه “الاستفاقة المعدّلة” (على توقيت الحكومة الجديدة) دون أن ننسى الطعن في “رواية وزارة الداخليّة”، بين من يعدّد “الثغرات” ضمن ما قدّمه الوزير إبان الندوة الصحفيّة وما تلا من تصريحات المسؤولين، وكذلك من طعن في ما يراه “مسرحيّة”، هدفها (وفق ذات المصادر) توجيه الوضع الأمني، ومن ثمّة السياسي في اتجاه معيّن.
الخلاف داخل نداء تونس، وإنزال الوزير الأسبق محمّد الناصر “بالمظلّة” في منصب نائب الرئيس (على حسب تعبير البعض) يأتي صدمة بأتمّ معنى الكلمة، سواء على مستوى الشكل، أي دون استشارة الهياكل القياديّة في حزب، وثانيا التحوّل “الفجائي” لهذا “الوزير الأسبق” من صنف “المستقلّ والمحايد والكفاءة غير المتحزبة” إلى “نائب رئيس” بهذا الوزن.
حركة النهضة تعيش هي أخرى مخاضا، لايزال (إلى حدّ الساعة) أقلّ ظهورا على الإعلام، وأكثر انحصارًا داخل “هياكل الحركة”، حين راح الوزراء الخارجون من حكومة العريض يذرعون البلاد طولا وعرضا، يشرّعون ليس فقط لما يرون أنّها “انجازات حكومة تخلت طوعا عن الحكم”، بل يجعلون من هذا “الإنجاز” سابقة على المستوى العربي، تحفظ للنهضة (وبالتالي لهم) مآثر سيذكرها التاريخ، ومن ثمّة الشعب التونسي أثناء الانتخابات القادمة. على خلاف القيادات الوسطى (خاصّة) التي ترى “الانجاز الحكومي” دون هذه الصورة “الطوباويّة” والحلم “الوردي” الذي ـ وإن أرضى الخارج ـ إلاّ أنّه وضع “رقبة الحركة” تحت مقصلة “النظام السابق” الذي عاد إلى السلطة، حسب هذه القراءة.
التقاطع قائم بين النهضة ونداء تونس، من خلال ما نراه من ترويج “لاحتمال التحالف يينهما”، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، لكنّ هذا “الاستباق” لا يخفي أمرين، أوّلهما “الحراك” القائم داخل كلّ حركة، وثانيا مستقبل “اليسار” في تونس، حين شرع نداء تونس، في تطهير صفوفه من هؤلاء، وثانيا (والأخطر) “فكّ الارتباط” مع من مثلوا منذ تأسيس هذه الحركة “القوّة الضاربة” (إعلاميا على الأقل) في مواجهة النهضة، ممّا دعا البعض إلى اعتبار اليسار التونسي “بطاريّة غير قابلة للشحن” أو كما قال عدنان منصر الناطق الرسمي باسم الرئيس المرزوقي “محرمة ورقية يتمّ التخلّص منها مباشرة بعيد الاستعمال”.
على وقع هذه التقاطعات المتداخلة، شرع أمس المجلس التأسيسي في تونس في مناقشة المجلّة الانتخابيّة التي سيتمّ على أساسها تنظيم الانتخابات القادمة، وسط صراع “نوايا الترشّح” من جهة، وتفضيل أن تكون الرئاسيّة سابقة كما يريد كل من الباجي والمرزوڤي وحتّى نجيب الشابي، على عكس النهضة التي تنادي بأسبقية التشريعيّة لتعلم موازين القوى ومن ثمّة تحدّد تحالفاتها.
حسابات عديدة، ومصالح متعدّدة أمام احتمالات أصعب من أن يحصرها المنطق.