-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المعادلة الدينية والأزمة الثقافية في فكر مالك بن نبي

المعادلة الدينية والأزمة الثقافية في فكر مالك بن نبي

تحتل المسألة الثقافية موقعاً مركزياً في الفكر العربي المعاصر، خاصة لدى مفكري النهضة الذين حاولوا الإجابة عن السؤال التاريخي: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وفي هذا السياق، يبرز مالك بن نبي كأحد أهم المفكرين الذين تناولوا المشكلة الثقافية بعمق وتفرد، حيث لم يكتف بتشخيص العلل الحضارية، بل سعى إلى بناء نموذج نظري متكامل لفهم طبيعة الأزمة وشروط الخروج منها.
غالباً ما تُعرض المشكلة الثقافية كما تناولها بن نبي من خلال كتابيه “شروط النهضة” و”مشكلة الثقافة”، لكن معظم التناولات لم تصل إلى العنصر المفصلي في فكره، ألا وهو مفهوم الأزمة الثقافية وارتباطها بـالمعادلة الدينية. هذا المفهوم المزدوج يشكل المفتاح الحقيقي لفهم الدوافع النظرية التي جعلت بن نبي يبني نموذجاً للثقافة يساعد على فهم طبيعة الأزمة الحضارية في العالم العربي والإسلامي.
1.من الشعور بالأزمة إلى بناء النموذج
البحث الفكري يبدأ عندما يشعر الإنسان بفرق وشرخ بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. وعند تطرق مالك بن نبي لمفهوم الثقافة، ربطه بكلمة “المشكلة”، وفي خاتمة كتابه “مشكلة الثقافة” يتحدث عن الأزمة الثقافية. ولعل كلمة “أزمة” تعطي معنى الشعور بمفارقة بين الواقع المعاش والواقع المرجو، وهو الشعور الذي دفع بن نبي للبحث عن نموذج يقيس به الواقع الثقافي.
ينتمي بن نبي إلى جيل مفكري النهضة العربية والإسلامية، لكنه جاء في مرحلة النشوة الثورية وتصفية الاستعمار، مما جعله مشدوداً بالبحث عن حل يخرج عن النماذج الغربية. فرغم انتمائه للفكر النهضوي، حاول التميز عن معاصريه بتناول مشكلة الثقافة بطريقة مختلفة. أراد مالك بن نبي الانتقال من التحديدات السلبية للثقافة (تحديد العلل فقط) إلى التحديد الإيجابي الذي لا يقتصر على تشخيص المرض بل ينتقل إلى ما يمكن أن يعيد بعث الفعالية ويحقق نهضة.
2.النموذج المثالي والسياق المعرفي
يكمن هاجس بن نبي في بناء نموذج مثالي للثقافة (بالمعنى الفيبيري) يقيس به الواقع. هذا النموذج جاء نتيجة للتراكم المعرفي في الفضاء الغربي الذي شحنته الأسئلة الفلسفية ونظريات العلوم الاجتماعية. يشير بن نبي إلى أن “القرن التاسع عشر شهد حقلاً من حقول الدراسة أكثر اتساعاً، فعلم الإنسان وعلم الأجناس وعلم النفس والاقتصاد السياسي تتلاقى أضواؤها في الواقع الاجتماعي، وبهذا أصبحت فكرة الثقافة مفهوماً أكثر تحديداً بحيث أصبحت إحدى مشكلات علم الاجتماع”.
السياق الذي عرّف من خلاله بن نبي الثقافة كان فيه العالم العربي يبحث عن تأسيس العلوم الاجتماعية دون أن تكون حاضرة في وعيه. هذا يفسر لجوءه المستمر إلى ابن خلدون الذي كان المفكر الوحيد القادر على النطق بطريقة علمية عن الواقع العربي -فحسب الجابري فإن ابن خلدون يعتبر المفكر الأكثر معاصرة لنا من أنفسنا فهو يتحدث عن الواقع العربي والإسلامي بطريقة عجزنا أن تتنج خطابا علميا يعبر حقيقة عن واقعنا- فمفهوم الثقافة عند بن نبي نموذج مثالي يُستنبط من النظريات الفلسفية والاجتماعية وليس من الواقع مباشرة. عرّف بن نبي الثقافة كأسلوب ونظرية في الحياة وليست كرؤية لفهم الحياة، مفرقاً إياها عن العلم. يحدد أن الثقافة يجب دراستها أولاً “كعامل تاريخي لكي نفهمها، ثم كنظام تربوي تطبيقي لنشرها”. فهاجس التعريف عنده هو هاجس علمي بالدرجة الأولى.
3.المعادلة الدينية: مفتاح فهم الأزمة
العنصر الغائب في الدراسات عن بن نبي هو تحديده لمعنى الأزمة الثقافية التي تصيب أي مجتمع عندما تتحلل عناصر الثقافة ولا تكون هناك مرجعية وضابط لسلوك الفرد والجماعة. الثقافة، في نظره، تعطينا واقعاً تنسجم فيه العلاقة بين الفرد والمجتمع، وتعطي الإنسان أسلوباً في الحياة تتوازن فيه قوة الضغط الاجتماعي وقوة الفرد في تغيير الواقع.
الأزمة الثقافية هي تعبير عن اختلال هذه المعادلة التي أسماها “المعادلة الدينية”، حيث لا يتقيد الفرد بقيم المجتمع، ولا يبالي المجتمع بانحراف الفرد، مما يؤدي إلى زوال الالتزام بينهما وبالتالي أفول الحضارة. يوضح بن نبي أن الأزمة الثقافية “تنمو وتنمو معها نتائجها، من الحد الذي يمكن تداركه بالتعديل البسيط إلى الحد الذي يصبح فيه التعديل مستحيلاً، أو لا يمكن إلا بثورة ثقافية عارمة تكون بمثابة انطلاقة جديدة من نقطة الصفر”.
الدين: من المركب الاجتماعي إلى النزعة الفردية
يعرض بن نبي في كتابه “وجهة العالم الإسلامي” كيف أن “دور الدين الاجتماعي منحصر في أنه يقوم بتركيب قيم، وهذا التشكيل يجعل الإنسان العضوي وحدة اجتماعية، ويجعل من الوقت وقتاً اجتماعياً مقدراً بساعات عمل، ومن التراب مجالاً مجهزاً يسد حاجات الحياة الاجتماعية”.
هنا يتحول الدين من بُعد ثقافي إلى “مركب القيم الاجتماعية” في حالته الناشئة عندما يعبر عن فكرة جماعية. لكن هذه المعادلة التركيبية قد تختل ويتحول الدين إلى “إيماناً جذبياً دون إشعاع، أي نزعة فردية، فرسالته التاريخية تنتهي على الأرض، إذ يصبح عاجزاً عن دفع الحضارة وتحريكها، إنه يصبح إيمان رهبان يقطعون صلاتهم بالحياة”.
تجلت الأزمة الثقافية في العالم العربي في معادلة التدين بعد عصر الموحدين، حيث لم يتراجع وجود الدين داخل المجتمع، لكن المعادلة الدينية التركيبية التي تحول الدين إلى محرك حضاري قد اختلت. هنا يتحول الانتماء الاجتماعي للفرد من وحدة اجتماعية إلى وحدة فردية، وهذا هو جوهر الأزمة الثقافية.
لا يمكن إخفاء أن مالك بن نبي كان يعيش توتراً بين هاجس الإصلاح وهاجس التحليل، بين رؤية المفكر المحلل للواقع والمصلح الذي يتصور حلاً له. لذلك يصعب وضعه في خانة واحدة، وهذا ما يفسر المواقف المتباينة حياله.
لكن يمكن القول إن بن نبي عبّر عن حالة المجتمعات العربية الإسلامية التي كان عليها أن تعيد بناء ثقافتها المتحللة، وكذا الحاجة إلى تأسيس إشكالية خاصة بها لبناء علوم اجتماعية مرتبطة بخصوصية واقعها للخروج من الانسداد التاريخي منذ عصر الموحدين.
إن الذين تناولوا المسألة الثقافية عند بن نبي ألموا بالعناصر الأساسية، لكن سقط عنصر مهم هو الأزمة الثقافية التي هي الحافز الحقيقي للبحث النظري. والمعادلة الدينية هي المفتاح الذي يفسر كيف تتحول الثقافة من حالة التوازن والفعالية إلى حالة التفكك، من الانسجام بين الفرد والمجتمع إلى التمزق والأزمة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!