المعاملة بالمثل أقوى رد للاعتبار
لا تزال حادثة “إهانة” وزير الاتصال، عبد الحميد ڤرين، وقبله وزير السكن والعمران، عبد المجيد تبّون، ووزير الصناعة والمناجم، عبد السلام بالشوارب، بالمطارات الفرنسية، تصنع الحدث بتداعياتها. فالكثير من المتابعين للقضية وصفوا التعاطي الرسمي معها بـ “المتخاذل”، فيما رآى آخرون أن هذا هو المتاح في ظل المعطيات الراهنة. فأي الطرحين أقرب إلى الواقعية؟ وهل الجزائر لا تتوفر على أوراق بإمكانها تغيير الموازين؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها “الملف السياسي” لهذا الخميس.
العلاقات الجزائرية – الفرنسية
خلفيات علاقة غير متوازنة غاب عنها “الاحترام المتبادل“
عندما يتعرض ثلاثة وزراء جزائريين وفي أوقات مختلفة، لمعاملة مشينة في المطارات الفرنسية، فهذا يقلل من احتمالات “الفعل المعزول“، الذي يدفع به البعض لتجاوز أي سوء تفاهم مع الشريك الأول للجزائر في الاقتصاد والسياسة وحتى في التاريخ، فرنسا.
وحتى رد الفعل الفرنسي على حادثة وزير الاتصال عبد الحميد ڤرين، لم تكن في مستوى الاحتجاج الرسمي، الذي استدعي بموجبه السفير الفرنسي بالجزائر، بيرنار إيميي، لوزارة الخارجية، فالمسألة يبدو أنها توقفت عند الجانب الفرنسي بتصريح مقتضب للمتحدث باسم الخارجية الفرنسية، رومان نادال، ردا على سؤال صحفي.
واللافت أن تعاطي “الكيدورسي” مع الحادثة توقّف عند “التأسف” ولم يصل إلى درجة “الاعتذار“، بل إنه لم يتجرأ حتى على نشر بيان توضيحي شامل، وهو ما كان يجب أن يقع في الحالات العادية، أما في الحالة الجزائرية الفرنسية، التي تعتبر مثالا للاستقرار في العلاقات الثنائية في السنوات الأخيرة وخاصة منذ وصول هولند لسدة قصر الإيليزي في عام 2012.
ويدفع هذا الصنف من التعاطي الفرنسي مع كل ما هو جزائري، إلى الاعتقاد بعدم تخلص الفرنسيين من العقلية الاستعمارية، التي باتت تتمظهر في مواقفهم وممارساتهم كلما تعلق الأمر بجزائريين، ويمكن الاستئناس بهذا بموقف الحكومات الفرنسية المتعاقبة من مطالب الجزائر بالاعتذار عن جرائم الاستعمار.
فعلى الرغم من تناوب اليمين واليسار على الحكم في باريس، منذ عام 2005، الذي شهد سن قانون تمجيد الاستعمار، إلا أن الموقف ظل واحدا من قضية الماضي الاستعماري، وهو رفض الاعتذار، وإن غلّفه الساسة الفرنسيون باعتبارات لا يبدو أنهم هم ذاتهم مقتنعون بها، مثل ربط الاعتذار بالدين في دولة لا ئكية (!!!) .
ويبدو أن النظرة المتعالية للفرنسيين تجاه الجزائر والجزائريين، تندرج في سياق إطار شامل ومقصود، امتد حتى إلى الجانب الاقتصادي، فعملاقا صناعة السيارات في المستعمرة السابقة للجزائر “رونو” و“بوجو“، اختارا إقامة مصانع لهم في الجارة المغرب، رغم أن ما يبيعونه في الجزائر يفوق بكثير ذلك الذي يبيعونه في المغرب، ومع ذلك لم يعيروا اهتماما لما يمكن أن ينجر عن قرار من هذا القبيل على العلاقات الثنائية.
وعندما ترتكب فرنسا خطايا في حق الجزائر وتتكرر هذه الخطايا، ولا تجد ردا في مستوى تلك الخطايا، فإنها حتما ستتمادى وتمعن في الاحتقار، لأن باريس تدرك أن بيد الجزائر أوراقا رابحة كثيرة، لكنها عاجزة عن توظيفها لرد الاعتبار، وفي مقدمة ذلك، اللعب على الورقة الاقتصادية، التي تعتبر أكثر ما تخافه فرنسا.
المبررات الرسمية التي ساقتها أطراف مقربة من الجهات الرسمية لتبرير هذا “الخنوع“، هو أن فرنسا دولة كبيرة ومتقدمة، وبالتالي فالاستفادة من خبراتها وتطورها التكنولوجي، أولى من الانجرار وراء خلق نزاع معها، وهي قراءة قد تجد من يدافع عنها، إلا أن المشكل يكمن في بقاء هذا التوجه بعيدا عن التجسيد رغم كثرة الوعود، لتبقى فرنسا هي المستفيد الأول والأخير من علاقات غير متوازنة غاب عنها الاحترام المتبادل.
الوزير والدبلوماسي السابق كمال بوشامة لـ الشروق:
منطق التسامح الزائد مع فرنسا أوصل الإهانة لمسؤولينا
وصف الوزير والدبلوماسي السابق كمال بوشامة ما حصل لوزير الاتصال حميد ڤرين بمطار أورلي بباريس بـ“الإهانة غير المقبولة“، ودعا السفارة الجزائرية في فرنسا إلى القيام بالتزاماتها الدبلوماسية لمرافقة الإطارات الجزائرية إلى غاية مغادرة المطارات الفرنسية.
ما تعليقك عما حدث لوزير الاتصال وقبله الوزيرين تبون وبوشوارب؟ وهل تجد مبررا لهذا التصرف؟
هذه الحادثة تعتبر إهانة للوزراء وإهانة للدولة الجزائرية. من غير المقبول أن يعامل وزير بهذه الطريقة. نحن بالجزائر لنا أخلاقيات كبيرة ونحترم الضيوف وبالأخص المسؤولين. أنا دبلوماسي سابق وأحمل جواز سفر دبلوماسي وتعرضت للتفتيش بنفس الطريقة التي تعرض لها ڤرين، وقدمت ملاحظات بخصوص ذلك، لأنه من المفترض أن تحترم الأعراف الدبلوماسية وخاصة عندما يتعلق الأمر بوزير، وأنوَه في هذا المقام أنه على السفارة الجزائرية بفرنسا أن تقوم بواجباتها، ففي الوقت الذي كنت فيه في الحكومة كان السفير ينتظر الوفد الحكومي المسافر في المطار ليسهل له الإجراءات أو ينوبه القنصل، لكن الآن حتى الأعراف تغيرت، والسفارة الجزائرية لا تقوم بواجباتها تجاه رعاياها.
ألا ترون أن مثل هذه التصرفات تحدث للوزراء الجزائريين إلا في فرنسا، في وقت تستقبل الجزائر المسؤولين الفرنسيين على البساط الأحمر؟
ببساطة، لأن هيبة الدولة الجزائرية تلاشت إزاء فرنسا، فلو حدثت مثل هذه التصرفات والتجاوزات في حق وزير من وزراء فرنسا لما تسامحوا معنا، لكن منطق التسامح أوصل الأمور إلى هذا الحد، وهنا أعود وأذكر بأنه من قبل كان جواز سفرنا يختم بالابتسامة، لأن السفير نفسه كان يرافق الوزير حتى مغادرة الطائرة، والآن الوزراء يتعرضون للإهانة، وما حصل لزميلي ڤرين هو أمر مقلق وشيء يثير الغضب.
هذه التجاوزات تحدث في وقت تمر فيه العلاقات الفرنسية الجزائرية بأحسن حالاتها، ما تعليقكم؟
هذه التصرفات لا تعبر عن الدولة الفرنسية التي تحسنت علاقاتها كدولة مع الجزائر في السنوات الأخيرة وترجمت في عديد الزيارات الرسمية، ففرنسا كدولة ليست هي المسؤولة عنها مباشرة بقدر ما تنم على المسؤولية المنعزلة لبعض الأشخاص، والذين لايزالون يحملون عداء للجزائريين ونوعا من الكراهية تترجم في تصرفات منافية للأعراف الدبلوماسية، غير أنه يجب أن تبادر فرنسا بحل جذري لهذه التصرفات، وأن تضع حدا لها وتعالجها. كما ينبغي على الدولة الجزائرية الاحتجاج عبر القنوات الدبلوماسية وعدم السكوت على هذه الأمور.
من موقعك كدبلوماسي، ما هي الامتيازات التي يخولها جوز السفر الدبلوماسي لحامله، وهل هناك حالات خاصة واستثنائية لتفتيش الوزراء والدبلوماسيين؟
الأصل في جواز السفر الدبلوماسي هو الاحترام، حيث يفترض أن يعامل باحترام في كل مكا وخاصة في المطارات، وأن تمنح له امتيازات خاصة وتسهيلات إدارية باعتباره يمثل دولة ذات سيادة، وهذا الجواز يميزه عن غيره من الأشخاص العاديين، وهي تقاليد وأعراف دبلوماسية تعرفها الدول، ويجب أن تحترم في إطار العلاقات بين مختلف الدول.
الأمين العام السابق لمنظمة أنباء الشهداء، الطاهر بن بعيبش:
التبرير الفرنسي غير كاف ونطالب باعتذار رسمي
دعا الطاهر بن بعيبش، الأمين العام السابق للمنظمة الوطنية لأبناء الشهداء، السلطات الجزائرية إلى الإسراع في اتخاذ موقف صارم تجاه تجاوزات السلطات الفرنسية في حق الوزراء الذين أهينوا في المطارات الفرنسية، والرد عليها بالمثل، وفق ما تقتضيه الأعراف الدبلوماسية.
ووصف الطاهر بن بعيبش التفتيش “غير المقبول” الذي تعرض له وزير الاتصال، حميد ڤرين، بمطار أورلي بباريس بالتجاوز الخطير والقفز على الأعراف الدبلوماسية، في زمن تعرف فيه العلاقات بين البلدين تحسنا كبيرا، مستغربا المعاملة المتميزة التي يحظى بها المسؤولون الفرنسيون عندما يزورون الجزائر.
وأوضح الأمين العام الأسبق للتجمع الوطني الديمقراطي في تصريح لـ “لشروق“، أن الحادثة التي تعرض وزير الاتصال، حميد ڤرين، في مطار فرنسا، ليست بالجديدة، فقد سبقتها حوادث مماثلة تعرض لها وزراء سابقون وإطارات سامون يحملون جوازات سفر دبلوماسية، غير أن صمت السلطات وتغاضيهم عنها زاد من عنجهية وتعالي شرطة الحدود بالمطارات الفرنسية، الذين لا يترددون في الإمعان في إهانة الجزائر والجزائريين.
وبرأي رئيس “حزب الفجر الجديد“، فإن ما وقع بمطار أورلي، ليس سوى حلقة في سلسلة، ولعل الجميع لا يزال يذكر ما وقع خلال العشرية السوداء، أين كانت طائرات الجزائر، يقول بن بعيبش، تهبط في أماكن مخصّصة للحيوانات، في إشارة إلى الإهانة الكبيرة التي كان يتعرض لها الجزائري، سواء المسؤول أم المواطن في فرنسا ومطاراتها.
وفي تعليقه على رد فعل الجزائر وما تبعه من استدعاء السفير الفرنسي برنار إيمي، للاحتجاج على المعاملة “غير المقبولة” لوزير الاتصال، قال الطاهر بن بعيبش، إن التبرير غير كاف، خاصة أن رد السفير لم يتم الاطلاع عليه، وحتى بقية المسؤولين الفرنسيين تجاهلوا القضية، ليبقى التبرير دون مستوى الاحتجاج الرسمي.
وشدد المتحدث على أن “تبليغ الاحتجاج وحده غير كاف، ويجب أن يكون اعتذار رسمي مع المعاملة بالمثل. وهذه هي الورقة الوحيدة التي بحوزة الجزائر، لأن ظروفها وإمكاناتها لا تسمح لها باتخاذ موقف صارم، على غرار ما قامت به عندما تعلق الأمر بدول أخرى على غرار المغرب عندما أقدمت على فرض التأشيرة على الجزائريين، وكذا موريتانيا مؤخرا عندما طردت دبلوماسيا يعمل بسفارة الجزائر بنواكشوط“.
وعن الخلفية الحقيقة التي تقف وراء تكرار مثل هذه الحوادث في حق مسؤولين جزائريين بحجم وزراء، قال الأمين العام السابق لمنظمة أبناء الشهداء إن القضية يجب أن ينظر إليها في شكلها المباشر، وهو إهانة الجزائر. وعليه، يجب على السلطات العليا في البلاد أن تطالب باعتذار رسمي وأن تتعامل بالمثل مع مثل هذه التصرفات إلى حين مراجعة فرنسا لحساباتها.
أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة وهران، رابح لونيسي
إهانة ڤرين استرضاء للوبيات الأقدام السوداء
ما تعليقكم على ما حدث لوزير الاتصال، عبد الحميد ڤرين بمطار أورلي بباريس؟
أعتقد أن فرنسا تحاول دائما إظهار الجزائر ضعيفة، لتحقيق أهداف مشبوهة، كإرضاء “لوبيات” الأقدام السوداء التي تضغط على السلطات الفرنسية من أجل استرداد ما تزعم أنه حقها المهضوم في الجزائر. ويمكن القول إن حادثة تفتيش وزير الاتصال عبد الحميد ڤرين بمطار أورلي بفرنسا، بمثابة جس نبض لمعرفة رد فعل الجزائر والجزائريين، كما لا يمكن إغفال أو تجاهل عامل آخر، وهو التنافس الانتخابي الذي انطلق في فرنسا حيث يحاول كل طرف إرضاء لوبيات الأقدام السوداء والحركى، الذين يشكلون وعاء انتخابيا مؤثرا.
تكررت حالات من هذا القبيل، غير أنه ومع ذلك لم نر ردا جزائريا في مستوى الإهانة، برأيكم، أين يكمن الخلل؟
لابد أن نعرف أن حادثة تفتيش الوزير “ضخمت“، خاصة أن زيارته إلى فرنسا لم تكن رسمية بل شخصية، عرضته للتفتيش كأي مواطن عادي، لكن بعض الجهات تريد توظيف الحادثة لصالحها. كما يمكن الإشارة هنا إلى أن بعض الأطراف حاولت إعطاء القضية تفسيرات بعيدة تماما عن الواقع، وصورتها على أن لها علاقة بصراعات وهمية في الجزائر، وأعتقد أن مثل هذا التضخيم لا يخدم الجزائر، التي قد تتعرض لانتقادات بسبب صمتها خاصة على المستوى الشعبي، الذي عادة ما يؤكد أن الجزائر عاجزة عن الرد، لكن في الحقيقة الدول الناجحة هي تلك التي تتبنى دبلوماسية قواعدية تراعي ظروف البلاد وإمكاناتها، ولا سيما في ظل الرهانات المحلية والإقليمية.
من موقعكم كمؤرخ، هل تقرأ في الحادثة خلفيات برائحة تاريخية؟
هناك أطراف تريد توظيف مسألة الذاكرة لأهداف سياسية، حتى من أولئك الذين ينتمون للجيل الحالي من السياسيين الفرنسيين. ورغم أن العلاقات الفرنسية – الجزائرية وصلت إلى عزها وأوجها في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عبر منح الفرنسيين عدة امتيازات اقتصادية، إلا أن فرنسا تحاول دائما التأكيد على أن الجزائر ضعيفة لتحقيق أهداف كبيرة، في وقت نغرق فيه نحن في نقاشات هامشية لا تهم مصالح الجزائريين. وأعتقد مثل هذه الاعتبارات تستغلها أطراف سياسية داخلية في كلا البلدين خدمة لأجنداتها السياسية.
برأيكم، ما هو الرد المناسب على حالات من هذا القبيل؟
لا يستبعد أن تواصل فرنسا سياسة “الاستفزاز” وممارسة الضغوطات، لأن الجميع في فرنسا أصبح يريد التهجم على الجزائر في مقدمتهم اليمين المتطرف، وعليه وجب العمل الجدي على المستوى السياسي والاقتصادي لأن “الوطنية الجديدة” تقتضي بناء دولة قوية بمؤسساتها، تكون كفيلة بأن تحسب لها الأطراف جيدا قبل أن تقدم على موقف قد يدرج في خانة الإساءة.