المفاوضات.. والتيه الفلسطيني
المطبّلون للمفاوضات والمزمرون لها يجب أن يعرفوا أنها لم تبدأ الآن، فقبل عشرين سنة دخلنا سراديب التيه الفلسطيني عندما ألزمونا بشيء عبثي أسموه المفاوضات.. وتراجع منسوب الوعي وانشرح الوطن وتبدلت الأسماء بشكل رسمي وعلني، لكي يجد الصهاينة لهم وجودا شرعيا بين ظهرانينا.. نحن نعرف أنهم أمر واقع حصل منذ تخلى النظام العربي عن واجباته في القضاء على الكيان الصهيوني، هذا الاختراق الأمني الرئيس لأمننا القومي العربي، نعرف أنه أصبح أمرا واقعا لأن أحزاب العرب والمسلمين وحركاتهم انشغلت بالصراع مع الأنظمة ثقافة وسياسة وصدامات، وتركت الخطر الداهم على وجود الأمة وثقافتها وانتمائها الحضاري.. رغم ذلك كله يكون من العبث أن نحول أمر الواقع إلى شرعيته لأن الفرق كبير بين الأمرين.. فرق كبير بين أن لا تستطيع إنجاز هدفك وأن لا تؤمن به.. فرق كبير بين أن تكون صاحب حق مغتصب مظلوم، وأن تصبح تدعو الآخرين إلى الاعتراف بشرعية الاغتصاب، وتقيم أوضاعك كلها متكيّفة مع الأمر الواقع ظلما وبهتانا..
إننا دخلنا التيه.. ولم يكن التيه حالة محصورة في بني إسرائيل، إنما هي ظاهرة ثقافية اجتماعية يمكن أن تتكرر في كل حين.. والتيه هو أن تبتعد عن السنن والنواميس والحقائق الكبرى، أي أن تبتعد عن الآيات البيّنات فيصبح كل فعل وكل قول إنما هو ابتعاد إضافي عن الطريق الصحيح، كما قال الإمام جعفر الصادق، ــ عليه رضوان الله ــ: “ما زادك السير في غير طريق الهدى إلا ابتعادا عنه”.. وللتيه أخلاق وقيم ومفاهيم، فمن أخلاق التيه مصادقة الأعداء واحتقار الحسن من الأفعال والشدّة على الأهل والأقربين، والذلّة عند عتبات الظالمين.. ومن مفاهيم التيه أنه ليس بالإمكان إلا ما كان، وأن الحكمة والعقل في عدم التمسك بالمبادئ والحقوق وأن اكتساب ود الظالمين واقتناعهم هو سبيل النجاح، ومن قيم التيه استبدال كل القيم الجمالية فلا كرم ولا وفاء ولا كرامة ولا صدق ولا تضحية ولا عطاء ولا رجولة ولا مروءة.. وهكذا يصبح التيه حالة نفسية وثقافية واجتماعية تتحكم بمسيرة السائرين على غير هدى، وقد قال الله سبحانه وتعالى {ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكى}
مفاوضات.. مفاوضات.. مفاوضات.. على ماذا؟؟ على ما تبقى من فلسطين بعد الاعتراف للعصابات الصهيونية بشرعية استيلائها على أكثر من 80 بالمئة، ولكي يصدّق الآخرون أننا ذاهبون إلى الصلح والسلام كان ينبغي أن ننقسم سياسيا وأن نلقي البنادق وأن نتفّه فكرة المقاومة، وأن نجعل جيوشا ومسلحين لمهمة واحدة فقط إنها منع كل من تسوّل له نفسه محاربة جيوش إسرائيل.. وفي المقابل استيطان واحتلال وتهويد للقدس وجيوش واغتيالات واختراقات أمنية، وتهديد للأمن القومي كله بل وللأمن العالمي، كما نبضت ضمائر حرة في الغرب بالقول إن الكيان الصهيوني هو مصدر الخطر الأمني على العالم..
لا حاجة لتكرار أن اليهود الصهاينة لا عهد لهم ولا ميثاق، ولا حاجة للتأكيد بأن مفاوضات القوم لن تنفعهم شيئا ولن تتنازل قيادة إسرائيل عن شبر من فلسطين من خلال المفاوضات.. ولا حاجة للتأكيد بأن إسرائيل إنما تريد من المفاوضات كسب وقت لإكمال الأمر الواقع باغتصاب كل فلسطين.. لا حاجة للتأكيد على كل ما سبق، ولكن يجب أن يكون واضحا أن لا أحد يملك حق التنازل عن جزء من فلسطين، ويجب أن يكون واضحا أن لا أحد يمتلك حرمان اللاجئين بملايينهم الستة من العودة إلى ديارهم ووطنهم.. ويجب أن يكون واضحا أن لا أحد يمتلك منع الشعب من الانطلاق مجددا نحو كل وطنه، وسيعلمون نبأه بعد حين.