الملحمة التي غيرت العالم وثبتت استقلال تونس والمغرب
لقد حظي موضوع الثورة التحريرية الجزائرية وتجربتها التاريخية باهتمام الكثير من الباحثين على اختلاف جنسياتهم وإيديولوجياتهم، للأهداف النبيلة التي كانت ترمي إليها، والمبادئ الفكرية والقيم الإنسانية التي تأسست عليها، وكذا مشروعها الحضاري المتمثل في إرساء قواعد الدولة الوطنية العصرية على الساحة الدولية في فترة ما بعد الاستقلال . ولعل ما يجسد هذا البعد الفكري والإنساني لأدبيات ونصوص الثورة الجزائرية، هي تلك المعركة السياسية التي جرت بين القوات الوطنية والاستعمار، والتي لم تكن فقط معركة قمع وسجون وإضرابات وانتخابات وقوانين مجحفة وتمرد صارم عليها، بل كانت أيضا معركة مفاهيم ومبادئ وقيم تتصارع فيها الأفكار بين الاستعمار وأطياف الحركة الوطنية، وما حملته من مشروع حضاري مفعم بالمبادئ والقيم الإنسانية النبيلة..
ولاستخلاص هذه العبر والدروس من محطات الثورة الجزائرية ومشروعها الإنساني، اغتنمنا فرصة إحياء الذكرى السادس والستين للثورة الجزائرية، لتقييم وتصحيح مزالق واختلالات المنطقة المغاربية .
وللوقوف عند تلك المحطات وما حملته من رسائل وعبر، كان لزاما علينا العودة إلى أصولها وجذورها وإرهاصاتها، والتي تعود إلى الانتفاضات والمقاومات الشعبية المتعاقبة، التي اندلعت منذ قدوم الفرنسيين إلى الجزائر في جويلية 1830، كمقاومة أحمد باي والأمير عبد القادر الجزائري ولالة فاطمة نسومر والزعاطشة والشيخ المقراني والشيخ بوعمامة… وغيرها، بالإضافة إلى ذلك الدور البارز والقيادي للزوايا والطرق الصوفية في المحافظة على مبادئ المجتمع الجزائري وقيمه، والدفاع عن هويته وانتمائه الحضاري.
اتبعت الحكومة الفرنسية خطة محكمة للتفرد بحكم الجزائر (1830-1880) وعزلها عن محيطها المغاربي، ففي المرحلة الأولى نهجت سياسة “فرّق تسد” بين الجزائريين والتونسيين والمغاربة، بقطع كل أواصر الدعم والتضامن مع الجزائر، وبعد القضاء على المقاومات والانتفاضات، انتقلت إلى المرحلة الثانية ابتداء من سنة 1881، بتأمين وجودها الأبدي بالجزائر، باحتلال كل من تونس والمغرب، وهذه الاستراتيجية بالإضافة إلى المقاومات والانتفاضات الجزائرية، كانت سببا وعاملا في تأخّير احتلال تونس إلى سنة 1881 والمغرب إلى سنة 1912 .
لقد كانت الحرب بين الجزائريين والفرنسيين كرّا وفرّا، وانطلاقا من التقييم المعمّق لمرحلة الثورات الشعبية، دخلت المواجهة في المحطة الثانية،وهي مرحلة لملمة وتوحيد الصفوف وإعداد الإستراتيجية وخطة طريق، لمواجهة مشروع الاحتلال الفرنسي، بنشر الوعي والمعرفة والتعليم والتثقيف، وتأسيس المدارس والجمعيات والصحف، وإرسال التلامذة والطلبة الجزائريين، إلى كل من مدارس الزوايا والطرق الصوفية الموجودة بالجزائر وتونس والمغرب، وإلى جامع الزيتونة المعمور الذي انتسب إليه أغلب الطلبة ابتداء من سنة 1876،وجامع القرويين بفاس، وجامع الأزهر بمصر .
ولقد انطلقت مرحلة المقاومة السياسية والثقافية بعد الحرب العالمية الأولى، برجوع الطلبة بالإجازات والشهائد متعددة الاختصاصات من كل فرنسا وتونس والمغرب ومصر واستقرارهم بالمدن الجزائرية، فتأسّست العديد من المدارس الخاصة والجمعيات والأحزاب والجرائد والنوادي، ونشط أئمة المساجد، متخذين من الجوامع والمساجد مركزا ومنطلقا لتعليم والتثقيف ونشر الوعي والمعرفة، وقد لعب كل من الشيخ عبد الحميد ابن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي وزملائهم بعد تخرجهم من الزيتونة وحصولهم على شهائد، دورا محوريا بمؤازرة العلماء الجزائريين .
وهذا الحراك والنشاط الحزبي والجمعوي الجزائري تطور ليصبح مغاربيا، وقد ساهمت فيه الجالية المغاربية، وبالخصوص الطلبة الجزائريين والتونسيين والمغاربة الدارسين في فرنسا، بتشكيل حزب نجم شمال إفريقيا سنة 1927، لينتقل الحراك المغاربي السياسي بعد الحرب العالمية الثانية إلى المشرق العربي (مصر والعراق وسوريا)، وتزداد عرى التنسيق بين الحركات الوطنية الجزائرية التونسية والمغربية .
واندلعت الثورة التونسية في سنة 1952، التي طالبت بجلاء الفرنسيين، ودخلت الحركة الوطنية الجزائرية في مرحلة الإعداد للثورة، مستفيدة في ذلك من دروس الانتفاضات والثورات السابقة، والتخطيط لثورة شاملة في كامل التراب الجزائري، ونقلها إلى كل من التراب التونسي والمغربي أي مغربتها، وهنا تظهر عبقرية الثورة والقيادة الجزائرية، وقد تفطنت الحكومة الفرنسية لهذا المخطط، الذي قادها إلى انتهاج سياسة استباقية من خلال وضع خطة واستراتيجية تمثلت بدخول في مفاوضات مع التونسيين والمغاربة، لعزل الثورة الجزائرية عن محيطها وفضائها المغاربي والتفرد بها، ومنحت لتونس الاستقلال الذاتي في جوان 1955،وأمام قوة الثورة الجزائرية وتوحد الثوار وانضمام التونسيين والمغاربة إليها، عجلت بدخول الفرنسيين في مفاوضات جديدة، اعترفت بموجبها باستقلال كل من تونس والمغرب في مارس 1956.
هذه الخطوة لم تكن كافية، في ظل تواجد الجيوش الفرنسية، في كل من المغرب وتونس، وعربدة الجيش الفرنسي المتمركز بالجزائر والحدود وتنطعه وعدم اعترافه والتزامه بالاتفاقيات والمعاهدات، وتيقنت حكومتي التونسية والمغربية بأنه – لا معنى للاستقلال – دون الجزائر، ودخلت في مفاوضات جديدة مع الفرنسيين، اتفقت بموجبها على تشكيل كونفدرالية شمال إفريقيا أو اتحاد بين تونس والجزائر والمغرب، عقدت ندوة لإعلان هذا المشروع في أكتوبر 1956 بتونس،بمشاركة كل من الحكومة التونسية والمغربية والفرنسية وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، ولكن المشروع أجهض وأفشل من قبل الجيش الفرنسي والمعمرين، على إثر حادثة اختطاف قادة الثورة الجزائرية الخمسة في 22أكتوبر 1956.
في الحقيقة، يمثل تاريخ 22أكتوبر 1956اختطاف قادة الجزائريين،محطة هامة بمغربة الثورة الجزائرية وشحنها بالبعد المغاربي، واتفقت تونس والمغرب على دعمها على كافة المستويات، وتسخير استقلالهما لخدمتها، وأصبحت بذلك كل طرفا في الحرب.
وأمام تزايد نجاحات الثورة الجزائرية، وارتباك وتهور الحكومة الفرنسية،التي قامت بجملة من الحماقات،من أبرزها قنبلة قرية ساقية سيدي يوسف في فيفري1958،واستثمرت الحكومة التونسية هذه الحادثة بتدويل القضية الجزائرية، مستندة في ذلك إلى أن الحرب في الجزائر أصبحت تهدد السلم العالمي.
وتسارعت الأحداث، ودخلت كل من أمريكا وبريطانيا على خط المساعي الحميدة وتقريب بين الوجهات وحلحلة القضية الجزائرية، في هذه الظروف انعقد مؤتمر طنجة في افريل 1958،ساهمت هذه العوامل في ميلاد الحكومة الجزائرية المؤقتة في سبتمبر 1958، واتخذت تونس مقرا لها، وأخذت القضية الجزائرية منعطف أخر عبر المزاوجة بين السياسي والعسكري، وكسب الرأي العام الدولي والغربي عن طريق الإعلام، ليتم طرح مسألة حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره في أعلى المنابر الدولية، وتُجبر فرنسا على الدخول في مفاوضات،أعقبها الاعتراف باستقلال الجزائر في مارس 1962.
لقد غيرت ملحمة الثورة الجزائرية، بحق، الخريطة الجيو- سياسية بالمنطقة المغاربية والإفريقية، باسترجاع الجزائر لسيادتها، وتثبيت الاستقلال التونسي والمغربي، وهزم الامبراطورية الاستيطانية الفرنسية في كامل إفريقيا،ونالت العديد من الدول الافريقية استقلالها تباعا، وأصبحت الثورة الجزائرية أنموذجا يحتذى به في الكفاح ضد كل أشكال الظلم والغطرسة واستعباد الشعوب، ودليل ذلك تنامي حركات التحرر في العالم بأسره .
وبعد الاستقلال، انطلقت مرحلة البناء والتشييد الدولة الوطنية أو القطرية، والتي لم تكن سهلة، أبدا بسبب العراقيل والصعوبات والألغام والقنابل الموقوتة التي زرعها الاستعمار الفرنسي وتركها قابلة للانفجار، ومن بينها الملاحق السرية لاتفاقيات الاستقلال ومسألة الحدود والجهل والفقر، مما أثر على مشروع وحدة المغرب العربي الكبير، الذي ناضلت من أجله الحركات التحريرية والوطنية والحزبية المغاربية، ودعت إلى تجسيده على الأرض الواقع بعد طرد الفرنسيين، وبالرغم من المصالحة التاريخية الأولى في قمتي زرالدة ومراكش وتأسيس اتحاد المغرب العربي في فيفري 1989، بقى الاتحاد المغاربي يدور في حلقة مفرغة،بسب المشاكل الحدودية وقضية الصحراء الغربية واختلاف الأنطمة .
وباعتبار الدولة الجزائرية وصية ومؤتمنة على رسالة الثورة الجزائرية ومبادئها وتجسيدها على أرض الواقع، فإنه من المأمول أن تتم المصالحة التاريخية الثانية بين الجزائر والمغرب بإيجاد حل مُنصف لقضية الصحراء الغربية، ضخ وبث دماء جديدة في مؤسسة الاتحاد، واعتماد مبدأ التصويت وتدوير منصب الأمانة العامة، ووضع خريطة طريق للمصالحة بين الإخوة والأشقاء الليبيين، لوضع حد لسفك الدماء والدخول في مرحلة بناء الدولة الليبية الجديدة، يعيش فيها الشعب الليبي الشقيق الأمن والسلام والاستقرار والرفاهية والتعايش والتوافق .
يحتل المغرب العربي الكبير موقعا استراتيجيا هاما جدا، ويحظى بكثافة سكانية بمائة مليون نسمة أغلبها من فئة الشباب، ويختزن فوق ذلك ثروات باطنية اقتصادية هائلة، فإنما يؤمل تحقيق الوحدة بإصلاحات سياسية، ودمقرطة وإصلاح برامج التعليمية، والرقي بالمنظومة التربوية وتحسين جودتها، والمراهنة على جودة التعليم والبحث العلمي وتطوير الجامعات المغاربية خاصة بعد كوفيد19، ووضع حد للهجرة السرية عبر قوارب الموت ومكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة وتشغيل الشباب.
أملنا كبير في القيادات والنخب والمجتمع المدني المغاربي، بتشبيك العلاقات وتمتين أواصر الأخوة والمصالحة بين شعوب المغرب العربي وإرجاع الاستقرار والسلام إلى ليبيا، وفتح الحدود والدعوة إلى الوحدة، وإحياء مشروع الاتحاد أو كونفدرالية المغرب الكبير بأبعادها الأمازيغية – والعربية- والإفريقية، وتأسيس دولة المواطنة المنشودة. ويبقى الأمل في الحراك السياسي، لتقيم المرحلة وتصحيح الاخلالات، التي برزت في ظل دولة الاستقلال المغاربية والمتمثلة في الاتفاقيات والملاحق السرية، ومحاربة الفساد والحوكمة الرشيدة، والتنمية خاصة بالمناطق الحدودية وتشجيع الاستثمارات فيها، وتخليص المنطقة من الهيمنة الفرنسية،على المستوى الثقافي والسياسي والاقتصادي والتجاري، باسترجاع الاستقلال التام والدمقراطية، والمصالحة بين الأنظمة المغاربية وتوحيدها، وود الثورات المضادة والدولة العميقة، وتنويع العلاقات مع الصين والهند وغيرها من الدول الصاعدة، وهذه البوصلة وخريطة الطريق التي ستعجل بالوحدة المغاربية وتحقق الحلم، وتبقى رسالة الثورة الجزائرية في بعدها المغاربي ودماء الشهداء حية، تنير الدرب والسبيل للأجيال القادمة في المغرب الكبير،والعزة والخلود لشهداء الجزائر والمغرب وتونس .