-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الملك والوطن و”القُمامة”

حبيب راشدين
  • 12317
  • 1
الملك والوطن و”القُمامة”

حادث طحن وفرم لحم شاب مغربي داخل عربية لجمع النفايات يوم جمعة وهو يدافع عن مصدر قوت عياله، يعرِّي مرة أخرى استهتار الحكام بدماء مواطنيهم، مع الاستخفاف بتبعات ما تتخذه الزمر البيروقراطية من قرارات غير مدروسة تنفذها بجهالة أدواتُ المخزن.

 الشاب محسن فكري (من مدينة الحسيمة بالريف) لم يكن مجرما في حالة فرار، ولا هو ممن تصفهم الألسن اليوم بالإرهابيين، وليس من مروِّجي المخدرات حتى يُؤذن هكذا لمفرزة المخزن بطحن عظامه وفرم لحمه كما تُطحن النفايات داخل عربة لجمع القمامة، هو وصناديق الأسماك التي حاول إنقاذها من بلطجية المخزن.

مثل هذا السلوك الإجرامي كان سببا في تحريك الشارع العربي والعبث به في ما سمي بالربيع العربي على خلفية حادث انتحار الشاب محمد البوعزيزي بتونس، وربما كان ذلك حاضرا في أذهان عشرات الألوف من المغاربة الذين خرجوا في عدة مدن مغربية رافعين ومرددين شعارا كان قد رفع  منذ خمس سنوات : “كرامة، حرية، عدالة اجتماعية” أضافوا إليه شعار “مجرمون، قتلة، إرهابيون”.

ربّما يُستحسن بنا أن نذكر أن الحادث وقع في بلد يزعم حكامُه أنه يخوض واحدة من أنجح التجارب الديمقراطية في العالم العربي، قد أفلح إلى حد ما ـ حسب منظمات حقوق الإنسان الغربيةـ في التطهّر من مخلفات الجور في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ويُحسب له أنه البلد العربي الوحيد الذي فسح المجال أمام حزب إسلامي للوصول إلى السلطة، غير أن الحادث يعرّي زور هذه التجارب التي تُسوَّق للشعوب العربية كتجارب ديمقراطية ناجحة، وتؤكد حضور السلوك الإجرامي الدائم، واستشرائه داخل مؤسسات الدولة وخدمها وسدنتها، ليس في بلدٍ من العالم الثالث مثل المغرب وحسب، بل حتى في أعرق الديمقراطيات الغربية، وقد تابعنا حوادث مماثلة له في الولايات المتحدة وأوروبا.

ولولا ما شاهده الأشقاء في المغرب من فوضى وقتل ودمار واكب مسارات الربيع العربي وخرَّب دولا بأكملها، لكان الحادث قد تحوّل إلى صاعق مفجِّر لحراكٍ شعبي أوسع، حتى وإن حاول بعضُهم في الداخل والخارج الاستثمار في طبيعة المنطقة التي هي قلب الريف المغربي، فرفعوا العلم الأمازيغي وعلم “جمهورية الريف” الأحمر، وطالبوا باستحضار “روح الأمير” وتاريخه، في إشارة إلى عبد الكريم الخطابي الملقب بـ”أسد الريف” الذي أسَّس الجمهورية الريفية، وربما كان الخوف من هذا الاستثمار المخادِع هو الذي دفع بوالد الضحية إلى مطالبة المحتجِّين بالحكمة ومراعاة ظروف المغرب، وهو موقفٌ مسؤول محترم من أب مكلوم لا يريد أن تتحوَّل مأساته إلى مأساةٍ وطنية تدمي بلده وشعبه.

وفي هذا درسٌ للملك الذي لم يتخلص من إرث والده، كما لحكومة بن كيران الإسلامية التي تكتشف حدود الإصلاح من الداخل لنظام فاسد عظما ولحما وشحما، لا يمكن لبعض العقاقير الإسلامية الناعمة أن تصلح ما أفسده دهرٌ من حكم المخزن، وقد ورث عن العهد الاستعماري ثقافة معاملة المغاربة كقطيع من “الآنديجان”، مثله مثل بقية حكام المستعمرات القديمة التي  ترى في السلوك الاستعماري الفجّ مع الأهالي “غنيمة حرب” كما سوّق بعضُهم للغة المستعمر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • rafik

    ﺭﺑﻤﺎ
    ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺳﺘﺜﻤﺎﺭ ﺍﻟﻤﺨﺎﺩِﻉ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺩﻓﻊ
    ﺑﻮﺍﻟﺪ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﻄﺎﻟﺒﺔ ﺍﻟﻤﺤﺘﺠِّﻴﻦ ﺑﺎﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﻣﺮﺍﻋﺎﺓ
    ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﻐﺮﺏ، ﻭﻫﻮ ﻣﻮﻗﻒٌ ﻣﺴﺆﻭﻝ ﻣﺤﺘﺮﻡ ﻣﻦ ...................نعم هد ما قاله اب الضحية و شدد على أعداء المغرب و جيران السوء الدين تركوا أمور وطنهم الغارق في الاجرام و الجريمة و الفساد والاستبداد و تفرغ وا في مواكبة أبسط أحداث الدول المجتهدة و المجدة في التقدم غلى جميع الاصعدة