“الممانعة” بمنطق الطائفية
للمرة الخامسة في بحر عقدين، نكتشف حجم اختراق النخب العربية، وتوزع ولاءاتها لصالح القوى التي تستعدي الحقوق العربية، بدءا بانخراط جانب منها في تأييد العدوان الأمريكي على العراق، وانتهاء بمن يشجب اليوم “عاصفة الحزم” العربي في اليمن، مرورا بمن وقف داعما للعدوان الصهيوني على جنوب لبنان وغزة، ومؤيدا للعدوان الصليبي على ليبيا، أو انخرط في مسار تخريب الدولة السورية.
في جميع هذه المحطات كانت النخب العربية السياسية والفكرية والإعلامية أسوأ حتى من النخب الحاكمة، وقد غيّبت مصالح دول وشعوب المنطقة العربية، وانخرطت في ولاءات عجيبة مع قوى إقليمية ودولية معادية للحق العربي، لم نكن لنصفها قبل خمسة عقود بأقل مما كنا نصف به من والى المحتل الفرنسي من مجتمع “الحرْكى“.
أكثر هذه المواقف إثارة، كان موقف الأمين العام لحزب الله، الذي خصص آخر خرجة له للتنديد بـ“عاصفة الحزم” وشجبها بلغة طائفية مبطّنة، مستفزة للمنطق قبل أن تكون مستفزة للسعوديين والخليجيين، وقد نسي أن مقاتلي حزب الله المنخرطين في الفتنة السورية، قد قتلوا من العرب في بحر سنة أكثر مما سقط على أيديهم من الصهاينة في عقد كامل من المقاومة.
قبل هذه الخرجة، لم تصدر عنه إدانة واحدة للحكومة العراقية، وهي تستدعي الطيران الأمريكي لدكّ مدن عربية سُنية في سورية والعراق، ولم يُدن بكلمة واحدة الصف الإيراني عبر خرجات قائد الحرس الثوري الإيراني، وهو يقود الحشد الشيعي في عمليات تطهير طائفي في محيط تكريت، أو يندد كعربي بتصريحات مستهترة لقادة إيرانيين يجاهرون بقرب اقتناص رابع عاصمة عربية.
جوهر خرجة السيد نصر الله الأخيرة، وتأسيسها المنطقي: أن هذا الحشد من القوة العربية لضرب اليمن كان أولى أن يُوجَّه للعدو الصهيوني، وهو مصيب بلا ريب، لولا أن ذات المنطق ينقلب عليه بقول بعضهم: ما بال قوة “محور الممانعة” تُصرف لإضعاف الصف العربي بدل توجيهها نحو العدو الصهيوني؟ وهل انتصرت إيران لشعب غزة بإرسال طائراتها وصواريخها لصد العدوانين الأخيرين على غزة؟ وهل سارع حزب الله في 2008 إلى فتح جبهة مع العدو في جنوب لبنان لتخفيف الضغط عن المقاومة الفلسطينية في غزة؟ وهل يسمح النظام السوري بفتح جبهة الجولان للمقاومة السورية والفلسطينية؟
لقد كشفت السنوات الأخيرة أن دول محوري “الممانعة والاعتدال” في المنطقة إنما هي شريكة في سوق سحت، تتاجر بالقضية الفلسطينية كورقة ترجيح في المعركة الغبية على قيادة المنطقة بالوكالة عن نفس السيد، وأن دجل إيران ومحور “الممانعة” لا يقل خبثا عن دجل محور “الاعتدال” العربي، وأن العراق إنما سقط بتواطؤ المحورين مع العدو الصليبي، وهو متواصل في الحرب الكونية التي تقتل عرب العراق تحت راية كاذبة اسمها “محاربة داعش” وأن خذلان العرب لأشقائهم في العراق، وتعاون الإيرانيين والطائفيين في إبادتهم بدعم جوي أمريكي، هو من يجند اليوم الشباب العربي للقتال تحت راية “الدول الإسلامية” حتى وهو كاره لسلوكها المتطرف، وخياراتها العديمة.