الممنوع .. مرغوب!
مواصلة اصطياد “الحوت الأزرق” للتلاميذ عبر عديد المدارس والولايات، هو دليل آخر على فشل خطة مواجهة هذا “المجرم القاتل”، رغم النداءات والتحذيرات والتنبيهات، وإن دلّ هذا فإنما يدلّ على تمرّد أبنائنا وفشلنا في إقناعهم أو مصارحتهم، وفي كلّ الحالات والتبريرات، فهو أيضا انتصار لمنطق “كلّ محظور مرغوب”!
لو لم يكن كلّ محظور مرغوب، لما امتنع أكثر من نصف عدد الهيئة الناخبة عن المشاركة في اقتراع النواب والأميار، فعشرات الأحزاب بآلاف المترشحين، لم يعودوا قادرين ومؤهلين لإقناع تلك الملايين “المتمرّدة” عن واجبها والمتخلية عن حقها الذي يكفله القانون والدستور!
“المحظور” هو الذي جعل طمّاعين يشرعون في قتل المستهلكين، بمحاولة تسويق ما لا يقلّ عن 150 قنطار من المواد الغذائية المنتهية الصلاحية، فلولا ستر الله، وحجز مصالح الأمن لهذا “الرهج”، لحدث ما لا يُحمد عقباه، وكانت حصيلة الضحايا من الأبرياء ثقيلة!
“المحظور” كذلك هو الذي حوّل المخدرات والمهلوسات و”شقيقاتها” من حبوب الفياغرا وحتى حبوب منع الحمل والإجهاض، حوّلها إلى تجارة رابحة ورائجة بين التجار الجُدد وشرائح واسعة من المستهلكين الذين لا يفرّقون بين الدواء ودفع المال لشراء الداء والعياذ بالله!
“الممنوع” هو الذي أفسد العلاقات بين الأزواج، وداخل الأسر، وبين العائلات، وقطع صلة الرحم، وأثار الفتن والقلاقل بين الآباء والأبناء، فالأفلام والمسلسلات “التثقيفية” التي أدمن عليها المجتمع، واعتبار الانترنت هواء نقيّا صافيا لا يُمكن العيش من دونه، “وساطة” ضربت الأخلاق وقصمت العادات والتقاليد وجعلت منّا لقمة سائغة لعصابات التكنولوجيا والسينما!
نسمع الكثير من ألسنة الخبراء والمختصين ومختلف الهيئات والتنظيمات والجمعيات، لكن المأساة مستمرّة، وأحيانا بأشكال جديدة، ما يُنبئ بالتعايش مع كلّ محاولة لتقليم الأظافر أو مداواة المرض، وهذا هو أخطر ما في الموضوع، فعندما يتكيّف الوباء أو العدوى مع العلاج، على المريض أن يبحث عن حلول أخرى، قد تنتهي أيضا بالمحظور عن راق مزيّف أو مشعوذ محتال!
لو لم يكن المحظور مرغوبا، لما تزايدت أعداد الغشاشين في مسابقات التوظيف، وفي امتحانات البكالوريا، وتنامي جحافل المحتالين والنصّابين والمستوردين المزيّفين الذين يُدخلون للجزائريين “كل ما يقتل”، مقابل تهريب “الدوفيز” وتبييض الملايير وتسمين الفساد، وهذا المحظور لا يختلف كثيرا في جوهره، عن المحظور الذي يدفع الضحايا إلى التواطؤ بالصمت وشراء السموم وتمويل التهريب واستهداف قيّم المجتمع وأخلاقه التي كان الجزائري يعيش بها دون أن يأكل أو يشرب!