الرأي

المناهج الجديدة للمدارس العليا للأساتذة: 5 مآخذ!

عندما يطّلع الانسان على توجيهات اللجان الرسمية الخاصة بوضع المناهج الدراسية لطلبة المدارسة العليا للأساتذة الذي سيدخل حيّز التنفيذ في الموسم الدراسي القادم، يستغرب في عديد هذه التوجيهات. نكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى 5 منها، وفي ذهننا الاختصاصات العلمية:

  1. المواد التربوية في غير مكانها

تلزم هذه القرارات بتدريس المواد التربوية منذ السنة الأولى مع أن لا علاقة مباشرة لها باختصاص الطالب. أما تاريخ العلوم فزحزح إلى السنة الثانية. وهنا نتساءل: هل من المنطقي أن يتلقى طالب في السنة الجامعية الأولى دروسا في علوم التربية، بينما لا يزال بعيدًا عن القسم ولم يُكَوِّن بعد قاعدة علمية كافية؟ هل من المعقول أن يُؤجل تدريس”تاريخ العلوم”، وهي مادة أساسية لفهم تطور المعرفة العلمية؟ أليس تاريخ العلوم مادة تأسيسية لفهم بنية العلم وتطوره؟ ألا تساعد الطالب في وضع ما يتلقاه من معارف حديثة ضمن سياقاتها؟ ثمّ لماذا تُدرَّس مادة مثل “نمو الطفل المراهق” في السنة الثانية، رغم أن الطالب لن يواجه فئة المراهقين إلا بعد 3  أو 4 سنوات من التكوين؟ أليس من الأفضل دمج هذه المعارف ضمن مقررات السنوات الأخيرة حين يصبح الطالب أكثر نضجًا ووعيًا بمتطلبات مهنته؟ إن طالب المدرسة العليا في سنواته الجامعية الأولى لم يتكوّن بعد كشخص متموقع داخل مشروع “أستاذ المستقبل”. فهو لا يعرف بعدُ واقعه المهني، ولا سياق القسم، ولا نوع التلاميذ الذين سيواجههم.

  1. كيفية تدريس اللغة الإنكليزية

تفرض القرارات الرسمية تدريس الإنكليزية خلال 4 سداسيات فضلا عن سداسي خامس خاص بالمصطلحات. نريد أن نشير إلى ضرورة ربط تدريس اللغة الإنكليزية بالتخصص العلمي للطالب. فرغم أهمية هذا المقرر، نلاحظ أن طريقة إدراجه تستدعي مراجعة بيداغوجية جدّية تراعي مهام الأستاذ مستقبلاً. إن اللغة المعتمدة في التدريس داخل المدارس العليا، كما في الثانويات والمتوسطات، هي العربية. والطالب المقبل على مهنة التعليم يدرك مسبقًا أن الإنكليزية لن تكون أداته التواصلية الأساسية في القسم وفي تعامله الإداري. لهذا، فإن تدريسه الإنكليزية بنفس مقاربة تدريسها -كقواعد ومحادثات عامة- يُفقده الحافز والاهتمام، ويُحوّل المقرر إلى عبء شكلي بلا جدوى عملية. وكما نعلم جميعا، فإن الطلبة كانوا قد تابعوا دروس اللغة الإنكليزية مدة  5 أو 6 سنوات قبل الجامعة دون نتائج ملموسة إذ يصل أغلبهم إلى الجامعة وهم لا يتجاوزون الفهم الأساسي. وهذا يُظهر أن التكرار لا جدوى منه إذا لم تتغيّر المنهجية والغرض التعليمي. من هنا، يصبح من العبث إعادة تدريس المادة بنفس الأسلوب الذي لم ينجح سابقًا.

وفي رأينا يكمن الحل في تدريس الإنكليزية كلغة تخصص(English for Specific Purposes)  لا كلغة عامة. ومن ثمّ فالحل الأنسب هو تدريس الطالب مقرر أو أكثر في تخصصه (الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، العلوم الطبيعية) باللغة الإنكليزية بعد أن يكون قد درسه باللغة العربية. ذلك ما سيسمح له بالتعرف السريع على المصطلحات الأساسية في اختصاصه، وعلى كيفية قراءة نص علمي فيه، ومتابعة محاضرة أجنبية، وكتابة ملخص علمي قصير، والبحث في المراجع المتاحة بالإنكليزية (في اختصاصه) خلال مشواره الدراسي والمهني. كما يُمكّنه من مواصلة التكوين الذاتي مستقبلاً.

  1. مقرر يسمى “تكنولوجيا التعليم والتحوّل الرقمي”

يُدَرَّس هذا المقرر خلال 5 سداسيات. ورغم أهميته في تهيئة الأساتذة لمواكبة التحوّل الرقمي فإن المدة المخصصة له مبالغ فيها -بالنظر إلى محتوياته الأساسية- وهذا على حساب مواد علمية أخرى ذات أولوية في تكوين الأستاذ. إن المواضيع التي يمكن أن يعالجها هذا المقرر تتمحور أساسًا حول 1) المفاهيم الأساسية في تكنولوجيا التعليم،  2) استعمال الوسائط الرقمية في تخطيط الدروس وإنجاز التمارين، 3) إنتاج موارد تعليمية رقمية بسيطة (عروض، فيديوهات، اختبارات رقمية)، 4) استخدام بيئات التعلم الافتراضي والمنصات التعليمية الوطنية والعالمية. كل ذلك يمكن تغطيته بفعالية خلال سداسي واحد (لا أكثر) من السنوات الأخيرة بمعدل 3 ساعات أسبوعيا.

  1. المواد العلمية (مواد التخصص)

نثير هنا إشكالية توزيع المواد التعليمية والبيداغوجية مقارنة بالمواد العلمية الأصلية (رياضيات، فيزياء، إعلام آلي، علوم طبيعية…) عبر سنوات الدراسة. تُظهر التوجيهات الإدارية رغبة في إعطاء حصة معتبرة للمواد التعليمية منذ السنة الأولى، لكن هذا التوجه ينعكس سلبًا على جودة التكوين العلمي للأستاذ. والمطلوب هو العمل على تقديم التكوين العلمي وتأجيل التكوين التربوي والبيداغوجي إلى السنوات الأخيرة.

فأستاذ المواد العلمية في الثانوية أو المتوسطة لا يعلّم “البيداغوجيا”، بل ينقل محتوى علميًا عميقًا. ذلك أنه مطالب بتدريس مفاهيم دقيقة، وتفسيرها بلغة بسيطة. إنه لا ينقل المعلومة فحسب، بل يجب أن يكون قادرًا على توضيح المفاهيم، والإجابة عن الأسئلة المعقدة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة لدى المتعلمين. وهذا لا يتأتّى إلا إذا كان رصيده العلمي كافيًا وشاملاً لمحتوى المقررات التي سيُدرّسها. وإذا لم يكن مُتْـقِـنًا للعلم بهذا الشكل، سيفقد سلطته المعرفية، وسينتج متعلمين بمكتسبات علمية هزيلة ومشوّهة. والكل يدرك أن التكوين العلمي يتطلب سنوات من التدريب والنضج والتعمق. أما المهارات البيداغوجية فيمكن اكتسابها أو استكمالها لاحقًا(عند الضرورة) بالتجربة والممارسة، والمرافقة، والتكوين المستمر.

باختصار فالقاعدة تقول إنه من الواجب العمل كالتالي: يرسّخ الطالب أولًا مرجعيته العلمية الصلبة، ثم يُزوَّد في مرحلة متقدمة بالأدوات التربوية  والبيداغوجية التي تتيح له نقل هذا العلم بكفاءة لتلاميذه.

  1. فتح آفاق الدراسات العليا أمام المتفوقين

رغم أن التكوين في المدرسة العليا للأساتذة مُوجَّه أساسًا نحو الإعداد المهني فإنه لا ينبغي أن يُغلق الباب أمام المتفوقين الراغبين في مواصلة دراساتهم العليا، وخاصة تحضير الدكتوراه والمشاركة في البحث العلمي. فالعلم لا يعترف بالحواجز الإدارية، وإنما همّه الكفاءة والطموح. ومن الخطأ الفادح أن يُمنع الطالب، لمجرد انتمائه إلى مدرسة مهنية، من أن يحقق طموحه العلمي من خلال البحث والدراسة. بل إن من مصلحة المدارس العليا ومخابرها البحثية أن يبرز من بين خريجيها باحثون أكفاء يثرون الساحة العلمية في البلاد.

وحتى يكون هذا الأمر ممكنًا، يجب أن يكون التكوين العلمي من البداية بقدر من الثراء يُكسب الطالب أدوات التفكير والتحليل والبحث، ويهيئه لمنافسة زملائه في الجامعات عند الترشح للدراسات العليا. وهذا لا يتناقض مع التكوين المهني، بل ينسجم معه ضمن رؤية متكاملة تُعِدّ طالب المدرسة ليكون أستاذا متمكّنًا اليوم، وباحثًا محتمَلا غدًا.

إن الاعتراض على حق طالب المدرسة في متابعة الدراسات العليا موقف مجحف ومخالف لروح العلم التي تقوم على البحث المستمر والتطوير الذاتي. فالغاية من التكوين داخل المدرسة ليست تأهيل الأستاذ للوظيفة فحسب، بل أيضا تمكينه من أن يكون فاعلا في الساحة العلمية، قادرا على المساهمة في تطوير مجاله المعرفي. إن تشجيع هؤلاء الطلبة على البحث العلمي هو استثمار في المنظومة التعليمية ككل. فالبلاد في أمسّ الحاجة إلى إطارات أمثالهم في كل المستويات التعليمية. بعبارة أخرى، فإن السماح لنخبة خريجي المدارس العليا للأساتذة بمواصلة الدراسات العليا ليس مِنّة، بل هو حقّ، وواجب وطني في آنٍ واحد.

كلنا أمل أن تراعي مختلف اللجان العاملة الآن في وضع المناهج الجديدة هذه الملاحظات خدمة لمنظومتنا التربوية.

مقالات ذات صلة