المهاجرون وصدمة المعيار المزدوج للديمقراطية الأوروبية الغربية (الجزء الثاني)
في الواقع، ينبغي الإشارة إلى أن تداعيات ظاهرة الهجرة قد تمَ تناولها ومناقشتها بقليل من العمق والمسؤولية والمتابعة الميدانية الصادقة والفاعلة بين أوساط الهيئات الدولية، والإقليمية، والوطنية الفرعية، وتلك التابعة للجمعيات الخيرية المستقلة المتخصصة في شؤون حقوق الإنسان وفي مشكلات اللاجئين، كما تم النظر فيها بنفس الوتيرة في هياكل نقابات العمال ذات العلاقة بالعمال المهاجرين، وفي المؤسسات التي تحاول مساعدة ضحايا الفقر والحروب والكوارث الطبيعية التي تسبب الهجرات الداخلية التي تتطور إلى هجرات إلى الخارج.
إن مثل هذه المناقشات مهمة من دون أدنى شك رغم ما يشوبها من نقائص في التنظير وفي التطبيق وهي تحتاج حقا إلى تحليلات معمقة بواسطة تطبيق المنظورات النقدية الأكثر قدرة على الكشف والتقييم الصحيحين والتقويم الشجاع، ولكنني أتركها جانبا وأركز في هذه العجالة على إبراز مجموعة من الأفكار التي وردت في عدد من الكتابات التي بلورت مقاربات فكرية متنوعة ومهمة في تقديري لقضايا الهجرة واللجوء والمنفى منها دراسة الدكتور وعاطف وصفي الذي خصص جزءاً منها لدراسة أسباب هجرة الجالية اللبنانية إلى أمريكا وواقعها في هذا المجتمع، وأفكار جوليا كريستيفا التي تحاول أن تقوم بصياغة أخلاقيات جديدة منها الدعوة إلى سنّ قوانين للهجرة تتجاوز منطق الدولة _ الأمة الأوروبية/ الغربية التقليدية من أجل الانفتاح الديمقراطي على الجاليات المهاجرة أو جاليات الغرباء كما تسميها، وكتابات الدكتور سمير أمين التي تقدم نقدا قويا للمركزية الأوروبية/ الغربية وللعولمة التي تهمش الدول الأطراف بما في ذلك جالياتها المقيمة في المهاجر الأوروبية/ الغربية.
لاشك أن هناك دراسات أخرى جدية قام بها عدد من المفكرين الذين درسوا مشكلات الهجرة والمهاجرين، منهم الناقد الثقافي البارز ستيوارت هول الذي انخرطت كتاباته ومواقفه على مدى نصف قرن في السجال الفكري حول الاثنيات والأقليات المهاجرة، وكتابات المنظر البريطاني روبرت يانغ الذي درس قضايا الهجنة الثقافية، والثقافة والعرق في إطار الشرط الكولونيالي وواقع المهاجرين في الغرب، وكذلك كتابات المفكرة الفرنسية شنتال موف التي تكشف عن التناقض الظاهري للديمقراطية الليبرالية في المجتمعات الأوروبية/ الغربية وهي تمس قضية الهجرة مسا مباشرا وخاصة عندما تفكك قضية مفصلية تحتل موقعا استراتيجيا في النقاش الدائر حول حقوق الانسان، ألا وهي قضية معيار المواطنة المزدوج كمفهوم فلسفي، وكممارسة تتميز غالبا بأنها غير متوازنة بداخل المجتمعات الغربية لأن هذا المعيار في رأيها يعطي الأفضلية لأولئك المصنَفين ضمن خانة “الانسان الأبيض” على حساب المهاجرين المقيمين والحاصلين على جنسيات بلدان إقامتهم.
أبدأ بتحليل الدكتور عاطف وصفي لظاهرة الهجرة إلى القارة الأمريكية، في نهاية القرن التاسع عشر على ضوء نموذجها اللبناني المحدود، وبهذا الصدد يقدم مجموعة من العوامل المتداخلة التي كانت وراء ميلاد نموذج هذه الهجرة ويلخصها في نقطتين محوريتين وهما: 1- العوامل الدافعة، 2 – والعوامل الجاذبة. بخصوص الأولى يقول: “ونقصد بالعوامل الدافعة تلك الظروف التي نشأت في الوطن العربي”، أما بخصوص الثانية فيبرز أن “العوامل الجاذبة فهي الظروف التي نشأت ونمت خارج العالم العربي، وهي مجموع المغريات التي تشجع على الهجرة”.
أتفق مع الدكتور وصفي أن الدوافع الذاتية المبكرة لبدايات الهجرة اللبنانية إلى أمريكا مرتبطة بالاستعمار التركي، ولكن الهجرة اللبنانية قد تواصلت جراء الاستعمار الفرنسي للشام. وزيادة على ذلك فإن الاستعمار التركي لم يقف عند حدود لبنان بل شمل الكثير من دول المشرق العربي وجزءاً من شمال إفريقيا، وكان ذلك أيضا دافعاً لهجرات داخلية إلى أوروبا وأمريكا وإلى بلدان أخرى.
وفي الواقع، فإن الهجرات الناتجة عن الاستعمار قد تكرست نتيجة للممارسات الاستعمارية التي اتبعت سياسات التهميش، والتفقير، والتنكيل والقتل، واغتصاب الأراضي وجميع البنيات والوسائل الأساسية الصانعة للثروة. أما الدوافع الخارجية التي هي دوافع المستعمرين الأوروبيين المخططة لآلية الهجرة فتنقسم في رأيي إلى قسمين ويتمثل القسم الأول في إستراتيجية المراكز الكولونيالية الهادفة إلى الحصول على الأيدي العاملة الرخيصة التي تقوم بالأعمال الأكثر قذارة، وصعوبة، والتي يرفضها المواطنون البيض، ويتمثل الثاني في تنفيذ تكتيكين ذوي بعدين أحدهما له صلة بالتهجير الناعم وهو تفريغ البلدان المحتلة من جزء من مواطنيها، أما التكتيك النفسي فكان يرمي إلى إظهار الإدارة الكولونيالية الأوروبية لنفسها بمظهر خيري وأنها حريصة على الانفراج الاقتصادي لفائدة لبعض العائلات المستفيدة من هجرة رجالها للعمل في أوروبا.
أما في مرحلة ما بعد الاستعمار الأوروبي، فإن استقبال أوروبا للأيدي العاملة المهاجرة يدخل في إطار النهوض بالاقتصاديات الأوروبية بالدرجة الأولى خاصة وأن هذه الأيدي العاملة غير المؤهّلة تقنيا وظفت غالبا في الأعمال الشاقة البائسة، وفي مؤسسات الإنتاج الرأسمالية التي تعاملهم كشريحة عمالية رثة مبعدة عن فائض القيمة وتقدم لها الأجور الزهيدة التي تموضعها تحت خط الفقر.
أما الجغرافيات التي حشرت ولا تزال تحشر فيها هذه الأيدي العاملة، بمعية عائلاتها، والتي تدعى بالضواحي فهي أقرب ما تكون إلى “غيتووات” معزولة عن المجتمع الحضري الأبيض وبذلك تمّ خلق عالم مقسوم إلى عالم للمواطنين الأصليين المتخمين وعالم للغرباء المهمشين.
إذا كان الدكتور عاطف وصفي يدرس ظاهرة الهجرة من خلال النموذج اللبناني فقط كمعطى للاستعمار في شكله التركي، فإن المفكر المصري الدكتور سمير أمين يوسع الدائرة أكثر في عدد من مؤلفاته وخاصة في كتابيه “فكّ الارتباط”، و”إمبراطورية الفوضى” فيما يخص تحديد المساحة التي تشملها الهجرات التي يحددها بفضاء العالم الثالث بأسره (وبلداننا من المحيط إلى الخليج جزء منه)، وفيما يخص أيضا تحديد الأسباب الدافعة للهجرة التي يراها نتاجا لعدة عوامل متشابكة ومتبادلة التأثير وتتلخص في المثلث التالي: 1- الاستعمار الكلاسيكي وتوابعه، وتأثيراته المستمرة. 2- النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي غير العادل والمتمركز غربيا. 3- فشل بلداننا في فك الارتباط بالمراكز الرأسمالية المسيطرة، وفي بناء نموذج ديمقراطي يكفل الحريات ويضمن اللقمة للجميع ويحقق مجتمعات المعرفة والتكنولوجيا الحداثية المتطورة.
ومن الملاحظات الذكية التي يسجلها سمير أمين بخصوص علاقة العولمة كعملة غربية رأسمالية وبين الهجرة من الجنوب إلى الشمال أن منطق الغرب الرأسمالي يرفض رفضا قاطعا التفاوض الذي يمكن أن يؤدي إلى تزامن فتح الحدود للرساميل العابرة للقارات مع فتح الحدود أيضا للهجرات العمالية بدون قيود من الجنوب إلى الشمال في إطار قانوني يضمن لهم العدالة والمساواة والحقوق الثقافية والروحية، واحترام اختلافهم في المعتقد الديني في المهاجر الأوروبية/ الغربية أسوة بالعمال المواطنين الغربيين.
في هذا السياق تذكرنا المفكرة جوليا كريستيفا هكذا بما يفكر فيه اليمين الأوروبي المتطرف ومعه الرأسمالية في شكلها العولمي بخصوص المهاجرين: “في الوقت الحاضر تواجه أوروبا ضغطا كبيراً من قبل الغرباء؛ فرنسا، مثلا، تستقطب عددا كبيراً من المهاجرين، وخاصة من بلدان شمال إفريقيا، أما إنجلترا فإن بها مهاجرين أتوا من بلدان أخرى. إن أوروبا تشعر بأنها مهددة من طرف هذه البلدان”. ومن جهتها تقترح المفكرة كريستيفا على الضمير الأوروبي حلاَ وهو الاعتراف بقضية المهاجرين على أنها “جزئيا، مسألة قبول “الغرباء” في بلداننا، ولكن أولا وقبل كل شيء فهي مسألة التعاون معهم وفي داخل بلدانهم الخاصة بهم، لأن أوروبا لا تستطيع أن تستوعب كل هؤلاء، إذ هناك حد لذلك، إنه يجب علينا أن نقدم بعضا من ثروتنا للآخرين لكي يعيشوا بصورة أفضل”.
ومن دون أدنى شك فإنه من المستبعد أن يجد هذا النوع من الحل الليبرالي الرومانتيكي، المتمثل في التعاون مع العالم الثالث ومع المهاجرين وتقديم بعض من الثروة لهم، تفهما أو تطبيقا في الدوائر اليمينية والرأسمالية الغربية لأن هذه الدوائر تفتقد أصلا إلى ثقافة أخلاقيات الضمير، وهي تفضل فرض منطق التبعية، وليس منطق التعاون مع بلداننا في العالم الثالث للتحرّر من التخلف الاقتصادي وأسبابه وكذا نتائجه الثقافية والتقنية والتكنولوجية والمعرفية لأن العمل بمنطق التبعية في عقيدتها الرأسمالية هو الشرط الضروري لفرض كلا من الهيمنة والسيطرة معا.