المهن الحرة.. أسعار خارج الرقابة!
تشهد أسعار الكثير من المهن الحرة ارتفاعا جنونيا، أثقلت كاهل المواطنين، خاصة بالنسبة للخدمات الضرورية، على غرار زيارة الطبيب المختص أو الميكانيكي، وحتى تكاليف القيام بالأشغال المنزلية على غرار الترصيص والبناء والكهرباء والغاز لم تعد في متناول الكثيرين، وباتت شكاوى المواطنين من ارتفاع أسعار الكثير من المهن الحرة تتعالى، ما يتطلب تدخلا من السلطات الوصية لكبح جماح التهاب الأسعار.
إجراء فحص عند طبيب مختص متبوع براديو “إيكوغرافيا” أو تخطيط على المخ أو القلب يكلف 5000 دج، بعدما كانت الأسعار لا تتجاوز منذ سنة أو سنتين 2000 دج، وإجراء صيانة دورية عادية للسيارة عند الميكانيكي بتغيير الزيت و”الفيلتر” يكلف 2000 دج على اليد العاملة، وإذا أصيبت السيارة بعطل في المحرك وتطلب الأمر تغيير قطعة غيار أو أكثر، فالأسعار تتجاوز مليون سنتيم، وإذا استدعيت الرصّاص إلى المنزل لتغيير الحنفية أو إصلاح ثقب في أنبوب الماء أو الغاز، فأقل سعر هو 2000 دج، وتركيب مكيف الهواء ارتفع الصيف الماضي إلى 8000 دج ووصل حتى مليون سنتيم، وإذا أردت طلاء شقة من ثلاث غرف، فالأسعار قد تتجاوز 6 ملايين سنتيم على اليد العاملة فقط، وإذا تورطت في قضية أوصلتك إلى المحاكم فأبسط قضية عند المحامين تبدأ من 8 و10 ملايين سنتيم، والأسعار ترتفع بحسب نوع التهمة وتعقيدات القضية لتصل إلى 20 و30 مليونا، وحتى أسعار الدروس الخصوصية ارتفعت بشكل غير مسبوق لشريحة من المعلمين الذين حولوا من مهنة التعليم إلى عمل تجاري موجه بالدرجة الأولى للطبقة الميسورة من المواطنين.
أسعار الحرفيين حرة ويضبطها العرض والطلب
وفي هذا السياق، أكد الأمين العام للإتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين عصام بدريسي، في تصريح لـ”الشروق اليومي”، أن أسعار الحرفيين حرة يضبطها قانون العرض والطلب، وأكد أن ارتفاع الأسعار مؤخرا كان بسبب زيادة تكلفة المواد الأولية وجودة العمل التي يقدّمها العدد من الحرفيين، بالإضافة إلى احتساب التعب والجهد، وقال إن المستهلك حر في اختيار السعر الذي يرضيه.
وقال بدريسي، إن الأعمال الحرفية متنوعة وتختلف بحسب نوعية الجهد والخدمة المقدمة، ولا يمكن تسقيف أو توحيد الأسعار، لأن الكثير من دخلاء هذه المهن حوّلوها، بحسب المتحدث، إلى أعمال تجارية بحتة.
وأضاف محدثنا أن الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين، طالب في العديد من المناسبات بضرورة أخلقة العمل التجاري وتجنب تعريض المواطنين للغبن عن طريق تقديم خدمات حرفية بأسعار مبالغ فيها لا تتناسب مع الجهد والخدمات المقدمة، ولكن يبقى الأمر بحسبه نسبيا وعلى المواطن اختيار ما يناسبه من حيث السعر وجودة الخدمة المقدمة، حيث تتطلب اليد الحرفية المؤهلة أسعارا أفضل من اليد غير المؤهلة.
وأضاف بدريسي أن المشكل يكمن، بحسبه، أيضا في العديد من المهن الحرة التي تتعلق بالخدمات الإنسانية والاجتماعية والتعليمية، على غرار الأطباء وأساتذة الدروس الخصوصية والمحامين، الذي رفعوا، بحسبه، أسعار خدماتهم لمستويات غير مسبوقة خاصة وأنهم يتعاملون مع فئات هشة وحساسة، على غرار المرضى والمظلومين والتلاميذ.
هذا هو سبب رفع أتعاب المحامين
ومن جهته، أكد المحامي المعتمد لدى مجلس قضاء الجزائر، الأستاذ إبراهيم بهلولي، أن ارتفاع أتعاب المحامين يعود إلى عدة أسباب، أهمها ارتفاع نسبة الضرائب والاشتراكات الاجتماعية والمهنية، للمحامين المعتمدين من طرف المجالس القضائية والمحكمة العليا، وكذلك رفع سعر الدمغة إلى 500 دج، وأضاف بهلولي أن المحامي ملزم أيضا بدفع مستحقات إيجار المكتب والمساعد والسكرتيرة والمنظفة وأقساط الكهرباء والماء والغاز، وهذا ما يجعله يحدد أتعابه بما يساعده على دفع جميع هذه المستحقات وتأمين معيشته اليومية والإنفاق على عائلته.
وأوضح محدثنا أن القانون لم يسقف أتعاب المحامين، لأنها تتعلق بالجهد المبذول بحسب كل قضية، فهناك قضايا تتطلب أياما طويلة من التنقلات بين مختلف المصالح الإدارية والمحاكم وحتى مؤسسات إدماج المساجين التي قد تكون في ولايات بعيدة.
وبالنسبة إلى ارتفاع أسعار أتعاب المحامين خلال السنوات الأخيرة على عكس ما كانت عليه في السابق، أرجعها المتحدث إلى العديد من التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها الجزائر، على غرار ارتفاع تكاليف المعيشة، وهذا ما طال، حسبه، مختلف المهن الحرة، ورغم كل هذا، يشدّد بهلولي أن المحاماة هي مهنة نبيلة تتعلق بمساعدة الأشخاص في وضعية صعبة للخروج من مشكل معين وفق الإجراءات القانونية، وأكد أن الهدف من هذه المهنة ليس تحقيق ربح مادي أو المتاجرة بمآسي الناس، وما يحدث من مغالاة في الأسعار عند البعض، بحسبه، هو أمر استثنائي لشريحة تعتبر دخيلة على المهنة، لأنه شخصيا يعرف الكثير من المحامين الذين تأسسوا في الكثير من القضايا بالمجان لمساعدة المواطنين ومن باب الإنسانية وشرف المهنة.
وبالنسبة للأسعار المطبقة حاليا من طرف المحامين، أكد بهلولي أنها تبدأ من 25 ألف دج بالنسبة للمساعدة القضائية ولا يسمح القانون بالنزول عن هذا السعر، وقال إن المحامي ملتزم بقسم يؤديه وشرف المهنة، الذي يحتم عليه القيام بواجبه بالدفاع عن المظلومين ومساعدة المواطنين وفق ما يغطي به أتعابه واحتياجاته، دون خلفية ربحية أو تجارية.
وأضاف أن القانون 07/13 المنظم لمهنة المحاماة يسمح للمحامي المتعاقد مع مؤسسات أم مواطنين بأخذ نسبة من الأموال المسترجعة.
لا بد من تشجيع الدفع الإلكتروني ووضع أسعار مرجعية
ومن جهته، أكد فادي تميم، الأمين العام للمنظمة الجزائرية لحماية المستهلك، استقبال عدد كبير من شكاوى المستهلكين بخصوص الارتفاع المتزايد والغير مبرر لكثير من المهن الحرة، في مقدمتها أسعار الفحص عند الأطباء الخواص ومختلف الأعمال الحرفية، وأكد وجود فوضى كبيرة في الأسعار التي تتباين من مهنة إلى أخرى، ما جعل المستهلك في حيرة من أمره.
وقال تميم إن أغلب هذه الأسعار المرتفعة لا يتم التصريح بها لدى الجباية، حيث يأخذ الطبيب المختص من عند المريض 4000 دج ويصرح بـ1000 دج وهو الأمر المعتمد في أغلب المهن الحرة، ولتفادي هذا التهرب والمغالاة في الأسعار، اقترح محدثنا ضرورة فرض الدفع الإلكتروني الذي يرسم التعاملات المالية بن المستهلك وأصحاب المهن الحرة، ويجعل الدولة تستفيد من ارتفاع الأسعار وحى المواطن يحمي نفسه وتكون هناك شفافية تامة في التعاملات.
ومن بين الاقتراحات التي تسعى المنظمة الجزائرية لحماية المستهلكين لتطبيقها، هي اتفاقية مع مختلف النقابات الممثلة للمهن الحرة، لاستحداث جدول مرجعي للأسعار المنظمة لكل مهنة باحترام الجهد المبذول من طرف صاحب المهنة والقدرة الشرائية للجزائريين، وهذا لمواجهة التفاوت الكبير في الأسعار بين منطقة ومنطقة وبين مختلف الناشطين في المهن الحرة.