الرأي

المواعظ اليومية التي لا نتأثّر بها!

سلطان بركاني
  • 972
  • 0

في كلّ أسبوع، تمرّ بنا على مواقع التواصل أخبار المئات من إعلانات الوفاة، ونصلّي في المساجد والمقابر على عشرات الجنازات، ونواري تحت التراب من لا نعلم ومن نعلم من أقاربنا وأحبابنا وجيراننا.. هي هكذا الدّنيا جنازات يتبع بعضها بعضا، جنازات معجّلة توارى تحت التراب، وجنازات مؤجّلة لا زالت تسعى على ظهر الأرض حتى يحين وقت دفنها. جنازة الغد تحمل جنازة اليوم، ومشيِّع اليوم مشيَّع الغد.. كم من حيّ وقف على قبر قريب أو جار أو صديق يشهد دفنه، إذ به من الغد يُدفن في المكان الذي وقف فيه بالأمس!
الجنائز وهي تشيّع إلى المقابر، رسائل من الله يفترض أن توقظ قلوبنا وتحرّك أرواحنا وتقرع أنفسنا بأنّنا عمّا قريب سنتحوّل إلى جنازات.. عمّا قريب سيقال عن كلّ واحد منّا: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون، انتقل إلى رحمة الله فلان الفلاني، الدّفن بعد صلاة الظّهر أو العصر في المقبرة الفلانية”.. وتمرّ الجنازة بالنّاس فيقِفون لها، ويقولون: “هذه جنازة فلان رحمه الله”.. يُروى عن صحابيّ رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- أبو الدرداء –رضـي الله عنه- أنّه رأى شابا لاهيا عند مرور الجنازة وهو يسأل: من الميت؟ فقال له أبو الدّرداء: “أنت الميت”، نعم أنت الميّت عندما ترى الجنازات تمرّ أمامك، جنازة تتبعها جنازة، فلا تتأثّر ولا يلين قلبك، ولا تغيّر شيئا في حياتك.. كأنّك غير معنيّ بهذا الموت! وكأنّك لن تتحوّل إلى جنازة في يوم قد يكون قريبا!
إنّها مصيبة عظيمة نعيشها في هذا الزّمان، أنّ قلوبنا -إلا من رحم الله- لا تُؤثّر فيها مشاهد الجنازات، وإن تأثّرت، فإنّما تتأثّر لبعض الوقت، ثمّ تعود إلى سَهوها وغفلتها ولهوها.. نرى الجنازة ونصلّي عليها ونتبعها إلى المقبرة وندفنها، ويقول كلّ واحد منّا: “الدوام لله، هذا مصيرنا جميعا”، ثمّ نعود إلى البيوت والمقاهي والأسواق، لنواصل حياتنا كما هي، نفرّط في حقّ الله ونضيّع الصلوات ونتّبع الشهوات، ونتباغض لأجل دنيا فانية. بل إنّ منّا من يتحدّث عن الدّنيا وهو في المقبرة، وتطيب نفسه بالحديث عن الأسعار والمواعيد ويطلق لسانه بغيبة إخوانه المسلمين.. على خلاف ما كانت عليه حال الصّالحين من سلفنا رحمهم الله.
يقول التابعي الإمام سليمان بن مهران الأعمش –رحمه الله-: “إن كنا لنشهد الجنازة، فلا ندري من نعزي من حزن القوم”، وقال: “أدركت الناس وإذا كانت فيهم جنازة جاؤوا فجلسوا صموتًا لا يتكلمون، فإذا وُضعت نظرت إلى كل رجل واضعا حبوته على صدره، كأنه أبوه أو أخوه أو ابنه”.
كان الواحد منهم إذا شهد جنازة، يعود منها كأنّما عاد من الموت، يجتهد بعدها أياما وأسابيع كأنّه سيقبض في يومه ولحظته، يقول الإمام صالح المري –رحمه الله-: “أدركت بالبصرة شبابًا وشيوخًا يشهدون الجنائز، يرجعون منها كأنهم نُشروا من قبورهم، فيُعرف فيهم والله الزيادة بعد ذلك”.. وعن سلام بن أبي مطيع –رحمه الله- قال: “شهدت قتادة -رحمه الله- في جنازة فلم يتكلم حتى انصرف، وشهدت الحريري -رحمه الله- في جنازة فلم يزل يبكي حتى تفرق القوم، وشهدت محمد بن واسع -رحمه الله- في جنازة فلم يزل مقنّع الرأس، مطرقا، ما يلتفت يمينا ولا شمالا”.. وكان الإمام يحيى بن أبي كثير –رحمه الله- إذا حضر جنازة لم يتعشَّ تلك الليلة، ولم يقدر أحد من أهله أن يكلمه من شدة حزنه.. وقَالَ أبو عمرو بن العلاء البصري: “جلست إِلى جرير وهو يملي على كاتبه شعرًا، فاطلعتْ جنازة، فأمسك، وقال: شيّبتني والله هذه الجنائز، وأنشَأ يقول:
تروّعنا الْجَنَائِز مقبلاتٍ * ونلهو حِين تذْهب مدبرات
كروعة ثلة لمغار ذِئْب * فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ راتعات.
هكذا كان الصالحون يعظّمون أمر الموت، ويخشعون عند المحتضَرين وعند الجنائز وفي المقابر، لكنّنا في زماننا هذا على حال غير هذه الحال.. نشهد المحتضَرين في سكرات الموت، ونتبع الجنائز ونصلّي عليها وندفنها، فلا تطرف لنا عين ولا تسيل لنا دمعة ولا يتحرّك منّا قلب، ولا تتغيّر منّا حال، إلا من رحم الله.
تنظر في ساحة المقبرة فترى من لا يكلّم أخاه منذ سنوات، ومن عادى جاره، ومن يماطل في سداد ديونه، ومن نهب حقوق النّاس، ومن يشهد شهادة الزّور، ومن يقضي بياض نهاره وسواد ليله يلهث خلف النّساء ولا همّ له إلا شهوته، ومن لا يتوقّف لسانه عن غيبة المسلمين.. وترى من لا يصلّي الفجر في وقتها، ومن لا يعرف طريق المسجد إلا يوم الجمعة.. بل وترى في المقبرة من لا يصلّي!
الجنائز بلسم شاف لقلوبنا، إن نحن عرفنا للموقف قدره، وحرّكنا قلوبنا لتتأثّر.. ووالله لو كانت قلوبنا تنبض بالحياة ما احتجنا لنسمع موعظة إمام أو شيخ في المقبرة؛ فما تراه أعيننا كاف ليهزّ أرواحنا ويقلّب قلوبنا ويملأها رهبة وخشوعا.. إنّ أعظم عقوبة يمكن أن تنزل بعبد في هذه الدّنيا أن يبتلى بقسوة القلب، فلا تؤثّر فيه أحوال المحتضرين، ولا الجنازات التي تتوالى، ولا أحوال القبور والمقابر؛ يدخل إلى المقبرة كما يدخل إلى السوق والمقهى، ويخرج منها بذات القلب الذي دخل به.. وقسوة القلوب إنّما هي بسبب التفريط في حقّ الله، وبسبب الإصرار على المعاصي والذّنوب؛ بسبب إدمان النّظر إلى الحرام، بسبب كثرة التفكير في الشّهوات، ولهث النّفس خلفها.. قبل أيام قرأت كلمة لأحد الشّباب كتبها بدموع قلبه قبل دموع عينه، يقول: “لقد أُنسيت القرآن كلّه بعدما كنت أحفظه، بسبب إطلاق النّظر في الحرام، وأرجو من الله ألا يطردني عن بابه ويردّني عن جنّته”.
الجنائز ميزان دقيق نعرف به حال قلوبنا. ومن لم يجد تأثرا وخشوعا في قلبه وهو يشهد الجنازة ويدخل المقبرة ويحضر دفن الميّت، ولم يتّخذ قرارا بأن يتوب ويصلح، فليعلم أنّه يحصد ما زرعه من ذنوب ومعاصٍ وتفريط في حقّ ربّه.. وإن طال عليه الأمد على تلك الحال، فربّما يلقى الله على غير ما يتوقّع ويجد عند الله ما لم يكن يحتسب.

مقالات ذات صلة