“الموسطاش”.. والآخرون!
لم يعد من السهل، على “جيل الاستقلال”، أن يعثر على من يتكلم وسط “جيل الثورة”، فعديد “العلب السوداء” انتقلت إلى رحمة الله، وبعضها لا يُريد أن يتكلم، وقليلها القليل، إذا تكلم فإنه يكون شحّيحا، ويرسم لنفسه خطوطا حمراء وسوداء وصفراء، قد لا تضع جميع النقاط على كلّ الحروف الغامضة!
ذكرى رحيل الرئيس هواري بومدين، أصبحت كغيرها من ذكريات ووقفات رجال الجزائر، تكاد تمرّ بلا شهادات ولا “اعترافات”، فقد تناقص “شهود العيان”، ولم يعد سهلا جمع معلومات وتفاصيل وأسرار جديدة، فقد “قيل كلّ شيئ”، أو لم “يقل أيّ شيئ”، وهذا لأسباب موضوعية وشخصية وأخرى تاريخية مرتبطة مباشرة بالشاهد نفسه!
من حقّ الجيل الجديد أن يعرف “خبايا” الجيل القديم، حتى يتعلم من التجارب ويستفيد من الخبرات، ولا يقع في أخطاء ربما كانت سببا مباشرا في انحرافات أو انزلاقات أو “ظلم” أصاب هؤلاء أو أولئك خلال مسار التاريخ، لكن الظاهر أن الباقي المتبقي من “الشهود”، إمّا أنهم زهدوا في الحديث، أو أنهم لا يُريدون الكلام، أو أنهم “كرهوا” من الحديث، أو أنهم لا يملكون ما يقولنه أكثر ممّا قاله غيرهم من جيلهم!
من الطبيعي أن يتناقص “الشهود” ويتهددهم “الانقراض”، في ظل تراجع الراغبين في جمع الشهادات والمذكرات، ولا داعي هنا، للتذكير بعدد أولئك الذين أنتجوا كتبا أو ألفوا مذكرات يروون فيها شهاداتهم لجيل انقسم بين شطرين: شطرن يُريد أن يعرف كلّ شيء، وشطر لا يُريد أن يعرف أيّ شيء، وبين النوعين، هوّة واسعة، قتلت التاريخ ودفنته حي يرزق في مقبرة النسيان والتناسي والإهمال واللامبالاة!
مصيبة الشهادات التاريخية، وتاريخ الجزائر الحديث، هو أن “الشهود” لا يتأخرون في كلّ مناسبة عن اتهام بعضهم البعض بـ “تزوير” الحقائق، وتزييفها بالطريقة التي تخدم البعض وتضرّ البعض الآخر، وفي مثل هذا التراشق والتشكيك، هرب جيل الاستقلال من الرغبة في الاستماع لما يقوله أو يكتبه الأوّلون، نتيجة اختلافهم وصراعهم وتصفية حساباتهم!
مشكلة البعض من الأوّلين والآخرين، السابقين واللاحقين، أنهم لا يريدون قول كلّ الحقيقة، وإذا قالوها فإنها تخصّ الأموات بدل الأحياء، وذلك حتى يتفادوا الردود والمواجهات، لكن أخطر ما في الموضوع، أن الكثير من “الشهود” وافتهم المنية، رحمة الله عليهم، دون أن يدلوا بدلوهم، وأغلبهم رحل إلى الدار الأخرى، وهم يعتقدون حسب راويات مقربين منهم وحتى عائلاتهم، أنه لا طائلة من الحديث عن الماضي وأسراره!