-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من الكسكس والطمينة إلى الختان والعقيقة وحلقات القرآن

المولد النبوي في الأوراس… حين تتحول الذكرى إلى فرح وتكافل اجتماعي

طارق مامن
  • 46
  • 0
المولد النبوي في الأوراس… حين تتحول الذكرى إلى فرح وتكافل اجتماعي
ح.م

تتحول ذكرى المولد النبوي الشريف، في مختلف مناطق الأوراس على غرار خنشلة، كل عام، إلى موعد تتجدد فيه مظاهر الفرح والاحتفاء، وتستعيد خلاله العائلات كثيرا من العادات التي توارثتها الأجيال، في مشهد تختلط فيه الأجواء الدينية بالاجتماعية والعائلية، وتصبح فيه المناسبة فرصة لصلة الرحم، وإكرام الضيف، وإطعام المحتاج، وتسوية الخلافات، وإدخال الفرحة على قلوب الأطفال.
وفي خنشلة على غرار كل شبر في الأوراس، لا يقتصر الاحتفاء بذكرى مولد المصطفى، صلى الله عليه وسلم، على ليلة أو يوم واحد، بل تبدأ الاستعدادات في عدد من البيوت قبل المناسبة بأيام، من خلال تنظيف المنازل، واقتناء مستلزمات الأطباق التقليدية، وتحضير الحلويات والمشروبات، وشراء ملابس جديدة للأطفال، وتحضير “الحنّة” والجاوي، بينما تختار عائلات أخرى أن تجعل من المناسبة موعدا لإقامة ختان جماعي أو عقيقة أو عقد قران، أو مناسبة للمّ شمل أفراد العائلة الذين فرقتهم مشاغل الحياة.

رائحة المولد تبدأ من المطبخ
في البيوت الخنشلية، للمولد النبوي الشريف رائحة خاصة لا تخطئها الأنوف، رائحة التوابل المحضرة بعناية، والكسكسي والأطباق التقليدية، والحلويات التي تتفنن ربات البيوت في إعدادها، إلى جانب المشروبات الساخنة والباردة التي تقدم للضيوف والأقارب، وتختلف الأطباق من منطقة إلى أخرى، ومن عائلة إلى أخرى، غير أن القاسم المشترك بينها هو الرغبة في جعل المناسبة استثنائية، وإبراز كرم العائلة وحسن استقبال الضيوف، وتقول السيدة زهية ابنة حي المحطة، إحدى ربات البيوت في خنشلة، إن التحضير للمولد بالنسبة لعائلتها، ليس مجرد إعداد للطعام، وإنما مناسبة تجتمع فيها العائلة كلها، مشيرة إلى أن النساء يبدأن التحضير قبل أيام، فيما يتولى الرجال توفير بعض الحاجيات واستقبال الضيوف، وتضيف أن الأطفال هم الأكثر انتظارا لهذه المناسبة، خصوصا مع ما يصاحبها من ملابس جديدة وحلويات وأجواء احتفالية، وهو ما يجعل ذكرى المولد مرتبطة في ذاكرتهم بفرحة الطفولة ودفء الأسرة.
ومن بين المظاهر التي لا تزال حاضرة في عدد من العائلات الخنشلية، اقتناء ملابس جديدة للأطفال بمناسبة المولد النبوي الشريف، في تقليد يرى فيه الكثير من الأولياء وسيلة لإدخال السرور على أبنائهم وربطهم بالمناسبات الدينية، فالأطفال، يقول أحمد أب لثلاثة أطفال من مدينة المحمل: الأطفال ينتظرون هذه الأيام بفارغ الصبر، ليس فقط من أجل الحلويات والألعاب، وإنما لأن المولد بالنسبة إليهم موعد للفرح العائلي والخروج رفقة أفراد الأسرة وزيارة الأقارب، حيث تحرص بعض العائلات على أن يرتدي الأطفال ملابس تقليدية، في محاولة للحفاظ على جزء من الموروث المحلي، خصوصا في المناطق التي ما زالت فيها الملابس التقليدية حاضرة بقوة خلال المناسبات الدينية والأفراح العائلية.

المولد… موعد للختان والعقيقة وعقد القران
ولا تتوقف خصوصية المولد النبوي، عند الأكل واللباس والزيارات العائلية، إذ تختار بعض الأسر هذه المناسبة لإقامة مناسبات أخرى، على غرار ختان الأطفال، والعقيقة للمولودين الجدد، وحتى عقد القران والزفاف، حيث يقول السيد السعيد، أحد كبار السن ممن عايشوا هذه العادات منذ عقود، إن المولد كان في الماضي، موعدا تجتمع فيه العائلات الكبيرة حول مائدة واحدة، وتستغل فيه المناسبة لإنهاء الخصومات وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، ويشير إلى أن كبار العائلة كانوا يلعبون دورا محوريا في جمع أفراد الأسرة، وأن المناسبات الدينية كانت تمنحهم فرصة لفتح أبواب الصلح وإعادة العلاقات التي شابها الخلاف.
ولعل من أجمل ما يميز هذه المناسبة في المجتمع الخنشلي على غرار كل منطقة الأوراس، أنها تتحول، في كثير من الأحيان، إلى فرصة للمصالحة الاجتماعية، فكم من خصومة عائلية طال أمدها تنتهي على مائدة واحدة، وكم من قريب غاب عن عائلته يعود في هذه المناسبة، وكم من بيت يفتح أبوابه أمام الجيران والأقارب والفقراء، ويرى عدد من أبناء المنطقة، على لسان الحاج عمر، أن قيمة المولد لا تكمن فقط في مظاهر الاحتفال، وإنما في المعاني التي يمكن أن تحملها المناسبة، وفي مقدمتها المحبة وصلة الرحم والتسامح والصدقة وإكرام الضيف، وهو ما يجعل المناسبة، في نظره يضيف، فرصة لتعليم الأجيال الجديدة أن الاحتفال الحقيقي لا يقاس بكثرة الطعام أو ارتفاع أصوات الألعاب النارية، وإنما بما يتركه من أثر طيب في المجتمع.
ومن أجمل الصور المرتبطة بالمناسبات الدينية في المجتمع المحلي، استغلالها في أعمال الخير والتضامن، فيما يعرف شعبيا بـ”التويزة”، حيث وفي عدد من المناطق، يمكن أن تتحول المناسبة إلى موعد لجمع التبرعات والمساهمات من أبناء المنطقة من أجل إنجاز أو إصلاح مرافق يحتاج إليها السكان، سواء تعلق الأمر بمسجد أو مدرسة قرآنية، أو ترميم مرفق عمومي، أو إصلاح طريق، أو مساعدة عائلة معوزة، أو توفير بعض المستلزمات للفئات الهشة، كما تستغل بعض المبادرات المناسبة في توزيع المواد الغذائية والوجبات على المحتاجين، وتنظيم موائد جماعية، وزيارة المرضى وكبار السن، ومساعدة الأرامل والأسر محدودة الدخل، وهنا تظهر قيمة الموروث الاجتماعي حين يتحول من مجرد عادة قديمة إلى سلوك تضامني قادر على خدمة المجتمع.

المساجد والمدارس القرآنية تستعيد وهج المناسبة
ولا تبقى مظاهر الاحتفاء بالمولد داخل البيوت فقط، إذ تتحول المساجد والمدارس القرآنية في خنشلة، إلى فضاءات لإحياء المناسبة من خلال برامج دينية وثقافية متنوعة، بإشراف من مديرية الشؤون الدينية والأوقاف، حيث تنظم المساجد دروسا ومواعظ حول السيرة النبوية الشريفة، وشمائل الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى جانب جلسات لقراءة القرآن والذكر، ومسابقات موجهة للأطفال والشباب في حفظ القرآن الكريم والسيرة النبوية والأحاديث الشريفة، كما تساهم المدارس القرآنية في استقطاب الأطفال خلال هذه المناسبة، من خلال مسابقات في الحفظ والتجويد، وتكريم المتفوقين، بما يسمح بتحويل المناسبة إلى فرصة تربوية تزرع في نفوس الناشئة محبة القرآن والسيرة النبوية.
ويؤكد أئمة ومرشدون دينيون أن إحياء ذكرى المولد ينبغي أن يكون مناسبة لاستحضار أخلاق الرسول، صلى الله عليه وسلم، والتعريف بسيرته، وربط الأجيال بقيم الرحمة والتسامح والإحسان والصدق وصلة الرحم. ويشير الإمام عماد، أحد الأئمة إلى أن أهم ما ينبغي أن يخرج به المسلم من هذه المناسبة هو الاقتداء بسيرة النبي الكريم في التعامل مع الناس، وليس الاقتصار على المظاهر الاحتفالية.
ويمتد الاحتفاء بالمناسبة أيضا إلى عدد من المؤسسات الثقافية والشبابية، حيث تبرمج بعض دور الثقافة ودور الشباب والمراكز الثقافية أنشطة بالمناسبة، تشمل المحاضرات والمسابقات الدينية، ومعارض للكتاب، وعروضا ثقافية وفنية ذات صلة بالسيرة النبوية والتراث المحلي، كما تنخرط بعض الجمعيات المحلية والجمعيات ذات الطابع الوطني في تنظيم نشاطات تضامنية وتربوية، خصوصا لفائدة الأطفال والعائلات المعوزة، إلى جانب حملات توزيع بعض المواد والوجبات، حيث تجد هذه المبادرات إقبالا من العائلات، خصوصا عندما تجمع بين الجانب الديني والبعد الثقافي والاجتماعي، وتمنح الأطفال والشباب مساحة للتعلم والترفيه في آن واحد.
وفي عدد من أحياء خنشلة، لا تتوقف مظاهر الاحتفاء عند عتبات المنازل، بل تمتد إلى الشوارع والأحياء التي تعرف حركية خاصة تزامنا مع المناسبة، وتشهد بعض الشوارع المعروفة، على غرار زقاق السوافة وشارع دبي وحي 700 مسكن، وغيرها من النقاط التي تعرف كثافة سكانية وحركة تجارية، مظاهر تزيين وإقامة موائد وطاولات جماعية، حيث تصطف الكراسي والطاولات، وتقدم الحلويات والمشروبات للمارّة والأطفال، وتتحول بعض هذه الفضاءات، في ساعات المساء، إلى أماكن للقاء العائلات والجيران، فيما يحرص الأطفال على اقتناء الألعاب والحلويات، وتزداد الحركة مع اقتراب موعد الاحتفال، كما تعرف بعض الأحياء استعمال الشموع والبخور كجزء من الأجواء التقليدية، إلى جانب مظاهر أخرى تختلف من حي إلى آخر ومن عائلة إلى أخرى.
غير أن هذا الجانب الاحتفالي يستدعي أيضا التذكير بضرورة احترام قواعد السلامة، خصوصا فيما يتعلق بالألعاب النارية، بالنظر إلى المخاطر التي قد تنجم عنها على الأطفال والمارة والممتلكات.

شيوخ الأمس… ماذا كان يعني لهم المولد
وبالعودة إلى شهادات كبار السن، نجد أن المولد النبوي في خنشلة كان، إلى جانب بعده الديني، مناسبة عائلية واجتماعية بامتياز، ففي زمن كانت فيه العائلات الممتدة تعيش في بيوت متقاربة، كان الاحتفال يتم في أجواء أكثر بساطة، حيث تجتمع الأسرة حول الأطباق التقليدية، ويقوم كبار السن بسرد جوانب من السيرة النبوية للأطفال، بينما يتولى الشباب مساعدة الكبار في إعداد الطعام واستقبال الضيوف، ويذكر عمي علي، أحد شيوخ مدينة ششار، من الذين عايشوا تلك الفترة أن الفرحة كانت بسيطة، لكن الناس كانوا مجتمعين، في إشارة إلى أن قوة المناسبة آنذاك كانت في اجتماع العائلة والجيران أكثر من كثرة المظاهر، ويضيف أن كبار العائلة كانوا يعتبرون المولد فرصة لتعليم الأطفال الصلاة والأخلاق وحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وربطهم بالسيرة النبوية من خلال الحكايات التي كانت تتناقلها الأجيال.
وإذا كانت بعض مظاهر الاحتفال قد تغيرت بفعل تغير نمط الحياة وتطور المدن وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الكثير من العادات لا يزال حاضرا، فالأطباق التقليدية لا تزال على موائد العائلات، والزيارات العائلية لم تختف، والمساجد والمدارس القرآنية مازالت تحتضن الأنشطة، كما بقيت الصدقة وإطعام المحتاجين من أهم مظاهر المناسبة، لكن الجديد يتمثل في اتساع دائرة النشاط، ودخول الجمعيات والمؤسسات الثقافية والشبابية، إلى جانب استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للتعريف بالبرامج والمسابقات والمبادرات الخيرية، وهكذا أصبح المولد في بعض المناطق مناسبة تجمع بين الموروث الشعبي والديني والعمل الجمعوي والتضامني.
ويرى أولياء أن أهم تحد اليوم يتمثل في الحفاظ على المعنى الحقيقي للمناسبة، وعدم اختزالها في الألعاب والحلويات والمفرقعات، فالأطفال الذين يعيشون أجواء المولد يمكن أن يتعلموا من خلال المناسبة قيم الرحمة والتسامح والكرم وحب الخير، إذا رافق الاحتفال توجيه تربوي من الأسرة والمدرسة والمسجد، ومن هنا تبرز أهمية المسابقات القرآنية والدروس والمحاضرات والأنشطة الموجهة للأطفال، لأنها تجعل المولد فرصة للتربية، وليس فقط للاحتفال.
في خنشلة، يبدو أن المولد النبوي الشريف ما زال قادرا على جمع الناس حول فكرة واحدة، أن الفرح يكون أجمل عندما يتقاسمه الجميع، ففي بيت، تحضر الأم طبقها التقليدي وتنتظر أبناءها، وفي بيت آخر يستعد الأب لختان ابنه، وفي ثالث تذبح العقيقة احتفاء بمولود جديد، بينما تستعد عائلة أخرى لعقد قران أو للمّ شمل الأقارب، وفي حي آخر، تصطف الطاولات في الشارع، وتقدم الحلويات والمشروبات للمارة، بينما تفتح مدرسة قرآنية أبوابها أمام الأطفال المشاركين في مسابقة للحفظ، ويستعد المسجد لإقامة درس حول السيرة النبوية، في مكان آخر، قد يجتمع أبناء القرية لجمع مساهمات لإنجاز عمل خيري أو إصلاح مرفق يحتاج إليه السكان، وهكذا تتعدد الصور، لكن الرسالة واحدة المولد النبوي مناسبة لاستحضار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتجديد صلة الرحم، ونشر المحبة والتسامح والتكافل بين الناس، فبينما تستعد العائلات الخنشلية لإحياء الذكرى، بكل ما تحمله من عادات ومظاهر فرح، يبقى الأمل أن تظل هذه المناسبة جسرا بين الأجيال، تنتقل عبره القيم قبل الأطباق، والأخلاق قبل المظاهر، وروح التضامن قبل صخب الاحتفال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!