المَقعد المُتبَاكَى عليه
الذين علَّقوا آمالا كبيرة على الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يبدو أنهم أخطؤوا تقدير الموقف السياسي، إلى درجة أن جاءت ردود أفعالهم غير متناسبة مع الخسارة التي خسروها في هذه الانتخابات، أو حتى الربح أحيانا.
الخطأ الأول بدأ من افتراضهم مرة أخرى، أن المؤسسة التشريعية هي محرِّك الإصلاح في هذا البلد، باعتبارها هي التي تَمُدّ الحكومة بالوزراء وهي التي تُشرِّع للسياسات المختلفة… وهو افتراض تأكد عدم صحته للمرة (ن)، ذلك أنه لم يتحقق في السابق ليتحقق اليوم أو حتى غدا في ظل استمرار الأوضاع على حالها.. أبدا ما كان البرلمان هو الذي يُرشِّح الحكومة، ونادرا ما كان هو الذي يُشرِّع القوانين، غالبا ما كان إحدى أدوات السلطة التنفيذية لممارسة هذه السلطة سلطتها عليه! وهي ظاهرة فريدة من نوعها في أنظمة العالم الثالث الهجينة، حيث إن السلطة التشريعية التي يُفتَرض دستوريا أنها مستقلة عن التنفيذية وتمارس الرقابة عليها لم تتكفل بهذا الدور إلا في حدود ما تسمح به هذه السلطة التنفيذية ذاتها! وعليه، فإن ردود فعل الخاسرين في الانتخابات التشريعية السابقة تبدو لي غير متناسبة مع حقيقة الدور الذي كانوا يتوقعونه لأنفسهم، وللبرلمان ذاته.
لو تمت الاستجابة لمطالب مَن ضاعت منهم مقاعد في هذه العهدة، هل كنا سنتمكن من تشكيل برلمان يقف ندا للسلطة التنفيذية ويمارس الرقابة عليها؟ أم إن الأمر لن يزيد على إعادة ترتيب داخلي للأوضاع وتَقاسمٍ أكثر توازنا للمناصب داخل الغرفة الأولى وكفى المؤمنين شر القتال؟
يبدو أن الأمر كان سيسير نحو هذه الوجهة لو افترضنا أن هناك استجابة كلية لمطالب المعارضين للنتائج الأخيرة، ولن يتحوّل البرلمان بين عشية وضحاها إلى تلك المؤسسة المستقلة التي تقوم بدورها التشريعي بعيدا عن كل الضغوط أو الأبوية أو الإشراف الخارجي من لدن السلطة التنفيذية.
إذن، المسألة تتعلق بطبيعة الفصل بين السلطات أولا في هذا البلد، وبإعادة النظر في هيمنة السلطة التنفيذية، وفي إعادة الاعتبار للسلطة القضائية وللإعلام الحر، قبل إعادة النظر في تشكيلة البلمان وفي مَن يُمثِّل الأغلبية فيه أو لا يُمَثِّلها، ولو بانتخابات نزيهة.
لذا، ليس هناك مبرِّرٌ اليوم للتباكي على النتائج من قبل البعض، ذلك أنهم، كانوا أو لم يكونوا، سيقوم البرلمان بالدور “التنفيذي” ذاته لصالح السلطة الفعلية، بدل دوره الحقيقي كما هو في كل الديمقراطيات… وهذا الدور غير الطبيعي لن يتم إصلاحُه وإعادته إلى مساره السليم إلا من خلال رؤية شاملة لإصلاح كافة السلطات باتفاق بين جميع الشركاء، ومن غير مزايدات من أحد. وعندها يصبح لِكُلٍّ دورُه ومهامه وحدوده، ويُصبح المقعد الواحد في البرلمان بقيمته حقا، ويحق الدفاع عنه بكافة الوسائل المشروعة، أما الآن فهو مَقعدٌ لا أمل منه ولا أمل فيه، فلِمَ التباكي عليه؟