المُتَعفِّفون
تلك المرأة التي مَنعتها تربيتها، وأخلاقها، وحياؤها مِن أَنْ تَسأل النّاس أعطوها أو مَنعوها، أو تُسَجِّل نفسها في قائمة هذه البلدية أو تلك، هذه الجمعية أو الأخرى، لتَتَلقى بعض المساعدة أو بعض المال… وذلك الرجل الذي مَنعته عِزة نفسه، وكرامته، ومَنَعه كبرياؤه وشموخه، مِن أن يتقدم إلى طابور المسجلين، ويُقَدِّم ملفا لموزعي الصدقات أو قفة رمضان، بل من أن يسأل أقرب الناس إليه مساعدةً أو قرضا، ليُتمّ ما بقي من أيام الشهر، أو لِيُغطي متطلبات حياته اليومية العادية في شهر فضيل كشهر رمضان… أو ذاك المعوق أو المريض أو ذي الحاجة الخاصة الذي منعته شخصيته، وقناعته، وذلك الصبر الكبير الذي مافتئ يعالج به كربه ويواجه به مصاعب الحياة مِن أن ينساق وراء تيار الشاكين لغير الله اللاهثين وراء ما يحتاجون أو لا يحتاجون… هؤلاء هم المتعففون مِمَن ينبغي أن نتذكرهم هذه الأيام، ونَذكُر فضائلهم وشِيمَهم ونَجعلهم قدوة للكثير ممن بدأوا يحترفون التسوُّل، باسم الحاجة، ويسارعون إلى كل قصعة أمامهم لخطف كل ما وصلت إليه أيديهم بلا حشمة ولا حياء… هؤلاء هم الفقراء، الأغنياء حقا، الذين قال فيهم تعالي: “يَحْسبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا” (البقرة 273)، هم الذين ينبغي أن نتذكرهم اليوم ونُدافع عنهم ونعتبرهم عنوان الجزائري والجزائرية الحَقَّة الذين يأبون أن يمُدوا أيديهم صاغرين وإن ماتوا جوعا، أو أن يكشفوا عن وجوه نسائهم وبناتهم وإن حسِبهم النَّاس من الأغنياء.
هؤلاء هم بحق مَن ينبغي أَن يَتوجه نحوهم نشاط المساجد والبلديات والجمعيات الخيرية، قبل مَن أعلنوا أنفسهم فقراء.. وعلى كل مسؤول أن يقدِّمهم على غيرهم في برنامجه أو في قائمته غير المُعلَنة، لأنهم يتعففون على أن تُدرَج أسماؤهم في قوائم يتداولها الخاص والعام، أو أن يجدوا أنفسهم ذات يوم في ذات المكان مع مَن أعْمَت ضمائرهم المادة، وغطَّى بصيرتهم الطمع حتى كادوا يقتلون قيمة عليا في مجتمعنا اسمها معروف وعمقها بلا حدود هي: العفاف والكفاف.
ولعلنا لن نُبالغ إذا دعونا إلى إحياء هذه القيمة بداخلنا، وأن ينبري كلٌّ مِنَّا ليدُلّ المحسنين على أهل العفاف والكفاف حيثما كانوا، و”الدَّال على الخير كفاعله” كما جاء في الأثر، لنُشَكِّل قوائم منهم في قلوبنا، لا على دفاترنا، إلى أن نصل ذات يوم إلى القضاء على ظاهرة قوائم “القفة” التي أصبح يمتنع عنها المُتعفِّفون.. ولِمَ لا نأمل ونعمل على ألا يُصبِح بيننا قط فقراء، إنما مُتعففون فقط يتكفل المجتمع بحاجتهم دون التشهير بهم، ودون أن يعرفهم النّاس، وذلك هو جوهر التضامن الحق، وجوهر الدين بحق.