الرأي

النار والحكمة..!!

مروان ناصح
  • 957
  • 0

-1- في غمرة الاستعدادات لإطلاق قناة سورية دراما، كنا نتلقى – يومياً – عدداً من العروض المشكورة للمشاركة في حمل بعض الهموم العملية، وعدداً آخر من الوصايا والمقترحات: “اللي يعمل جمّال.. يعلّي باب الدار”.. “أكثروا من المسلسلات القديمة فهي مطلوبة”.. “لا تكثروا من المسلسلات القديمة لأنها مَحْرقة.!”.. “لا تنسوا برامج المسابقات الخفيفة”.. “إياكم وبرامج المسابقات بأنواعها فهي تنال من وقار القناة..!!”.. “علمّوا الناس كيف تصنع الدراما.. وأطلعوهم على خفايا وكواليس هذه المهنة”.. “لا فائدة من فتح بطن الدراما وإطلاع الناس على أحشائها..!!”.. “ابحثوا عن معلنين لتمويل القناة ودعم برامجها الكبرى”.. “لا تكرروا أخطاء القنوات المتخصصة التي يتخلل إعلاناتها بعض الفقرات الدرامية”!!.. “اصنعوا كليبات للأغنيات الجديدة من مشاهد تختارونها من الأفلام والمسلسلات القديمة!!”.. “لا تقلدوا بعض القنوات التي تريد إحياء الموتى بوسائل صناعية، فلستم مطالبين بأن تفتحوا على الشاشة متاحف للشمع”!!

ويأتينا في كل يوم من يحمل فكرة أو أكثر لبرنامج يريد هو أن يعدّه، وما أندر الأفكار الجديدة..!! إنها تشبه في ندرتها أن تكتشف كوكباً أو نجماً جديداً لمجرد أنك عضو في الجمعية الجغرافية السورية.!! ومع هذا فأنت مضطر إلى هدر الكثير من الوقت في الإصغاء إلى هذا الكم الهائل من الأفكار المنحولة، والمموهة بسذاجة تثير الشفقة!!

وها هو أحدهم، يتقدم بفكرة برنامج يصفه بأنه جديد كل الجدّة، ويخص به هذه القناة الوليدة:

..لأنه خلق لهذه القناة المتخصصة!!

حدثنا عما ستقدمه في هذا البرنامج الفني؟؟

إنه مخصص للحديث عن الفنانين الراحلين عن عالمنا.. فما أن يرحل أحدهم حتى أسارع بإعداد حلقة عن حياته وأعماله..

في هذه الحال.. ألا ترى معي أن من الأجدى لهذا البرنامج أن يُلحق بمكتب دفن الموتى!!

لا شك أنك تمزح!! ومع ذلك فقد يكون هنالك مجال لتأمين رعاية للبرنامج من صندوق الوفاة في نقابة الفنانين..!!

ولكن.. ماذا تفعل إذا كان الراحل قد ترك وراءه وصية تحرمك من تناول حياته وأعماله في هذا البرنامج..؟

مثل من..؟؟

– إليك مثلاً الكاتب الروائي السوري الشهير “حنا مينة”.. فقد كتب في وصيته التي نشرها على الملأ في أكثر من صحيفة ومجلة، ورسم للناس فيها كيف يتصرفون بعد وفاته قائلاً: “لا حزن، لا بكاء، لا لباس أسود، لا للتعزيات، أو التأبين. يكفي أربعة أشخاص من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب عليَّ، في أي قبر متاح، ينفضون أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم. لقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة..!!” وهذا يعني فيما يعنيه أنه يوصي بعدم الاحتفال به إعلامياً..!!

“حنا مينة” ليس فناناً درامياً.. والبرنامج مخصص لأهل الفنون الدرامية فحسب..!!

كيف لا..؟! ولهذا الكاتب الشهير روايات عدة حولت إلى أفلام سينمائية، ومسلسلات تلفزيونية، منها “بقايا صور”.. “نهاية رجل شجاع” و”المصابيح الزرق” إذا كنت تذكر..؟

أمثال “حنا مينة” قلة، ولا يعتد بهم في هذا المجال..!!

ليكن.. ستظل أمامك مشكلة.. اسمها “مشكلة الشهاب”.. هل سمعت بأديب سويسري اسمه “فريدريش ديرنمات”..؟!

سمعت به.. ولكني لم أقرأ له شيئاً..!!

في مسرحيته “الشهاب” يقرر الأطباء موت البطل الأديب نتيجة فحوص خاطئة.. ثم لا يلبث أن يخرج من القبر ويعاود الاتصال بهم فتحصل مفارقات مأساوية..!!

والآن أخبرني.. ماذا أنت فاعل إذا عاد أحدهم إلى الحياة.. واعترض على كثير مما جاء في حلقتك عنه من “معلومات” مغلوطة، و”آراء” و”شهادات” نقدية ظالمة، أو مجافية للحقيقة.

 ………!!

هل تقبل مني نصيحة بلا مقابل؟؟

يا ليت..

أن تتجاهل في برنامجك هذا رحيل أي فنان إلا إذا كان قد أعطاك تعهداً خطياً موثقاً بعدم العودة إلى الحياة..!!

خذني على قدر عقلي..!! وإذا كنت تريد أن ترفض البرنامج.. فلا داعي لأن تصعِّب عليّ الأسئلة..!!

 

2

في يوم واحد طلعت علينا الصحف تحمل عناوين عن الدراما السورية عجيبة التشخيص، غريبة التناقض:

“أعمال القطاع العام لا تنتشر.!”.. “غياب الأعمال الملتزمة في زمن الاستهلاك”.. “أزمة الدراما سببها انعدام المؤهلات!!”.. “القطاع العام لا يملك مشروعه الثقافي”.. “صناعة الدراما لا تملك قوانين وضوابط!!”.. “أغلقت الرقابة الباب.. فهربت النصوص الجيدة”.. “إذا قضي على القطاع العام.. قضي على الخاص أيضاً”.. “الدراما التركية.. الأمر المقلق والخطير!!”.. “تغييب الشخصية السورية في الدراما المحلية”.. “الإنتاج المهم هو للقطاع الخاص”.. “نحن أمام دراما يكتبها أميّون!!”.. إلخ.

وسألني أحدهم:

ما رأيك أنت في كل هذه العناوين..!!

– يحتاج المرء، ليبدي رأياً في هذه “المعمعة” إلى حكمة ذلك الإغريقي “سولون”.. فقد كان حاكماً ومضرباً للمثل في القدرة على ضبط النفس وانفعالاتها!! حتى إنه لو شبت النار في ثيابــه لما فكّر – قبل أي شيء- إلاّ في معرفة مصدر النار.. وسبب اشتعالها..!! وإذا خطر له أن يلقي بثيابه المشتعلة، لما فعل ذلك قبل أن يتلفت حوله، خوفاً أن تقع على أحد العابرين..!! وأخيراً.. يفكر في إطفاء تلك النار..!!

ولكن.. من لي بحكمة “سولون”.؟؟! هيهات..!! هيهات..!!

مقالات ذات صلة