النجاح
عندما تعلم بأنَّ دولا عظمى، من طينة روسيا والصين، تتابع قمة عربية نوفمبرية الزمان والمكان، بكل تفاصيلها، وتتفاعل معها بالإيجاب، وتعلم بأن بقية الصامتين لم يجدوا فراغا لملئه بالانتقاد، ومن دون أدنى تحفظ على “إعلان الجزائر”، تُدرك بأن القمة العربية التي احتضنتها الجزائر، كانت قفزة فلكية في الدورات العربية التي من كثرة تشابهها -في ما مضى- صار بعض العرب، يصفها بالمسلسل المتكرّر بنفس السيناريو وبتغيّر الأبطال فقط.
يحفظ العرب الكثير من التعليقات الساخرة، التي كان يطلقها الصهاينة، من زمن بن غوريون إلى زمن المنتخَب مجددا نتنياهو، على نتائج القمم السابقة، حتى أن موشي ديان قال مرة تعليقا على خطاب أطلقه أحد قادة العرب في قمة سابقة: “إن العرب لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا سرعان ما ينسون”، كما يحفظون جميعا مقولة: “اتَّفق العرب على أن لا يتفقوا”، ويقذفون بها أيَّ قمة عربية تُعقد، لكنهم هذه المرة لاحظوا الكثير من الأفكار الجديدة التي جعلتهم يتابعون أشغال القمة، كما تابعتها الصحافة العالمية وتابعها فلاديمير بوتين وشي جي بينغ، وأكيد جو بايدن ونتانياهو، فهنّأ الصديق، وبقي العدوُّ باهتا من التطور الذي عرفته الجامعة العربية، وكسرها السجن السياسي الذي عاشت تحت نيره قرابة ثمانية عقود، قبل أن تقوم بثورتها الجديدة التي أخذت بُعدا شعبيا، وأفهمت أخيرا الشعوب بأنها تسعى إلى أمنها المائي والغذائي والصحي وليس إلى جلسات استعراض مهارة الكلام، التي أسالت براميل من اللعاب، وما روت شغف المنتظرين.
الجزائر التي عاشت على مدار قرابة ثلاثة عقود بين الأزمة الأمنية وأزمة الضمير المغيّب في التسيير، استرجعت الآن حضورها القوي، وما تحقق بنجاح القمة العربية، سيطلّ بأشعته على صباحات البلاد، ولم يعُد هناك من خوف من توقُّف القطار أو عودته إلى الخلف، فقد كشف طنينُ الذباب الذي حاول التشويش على القمة، بأنه حاول يائسا نفخ القمر ليُطفئه، ولكنه عبثا أفنى قواه، ولم يدرِ به القمر، على حدّ تعبير الشاعر اللبناني إلياس فرحات.
رفعُ الجزائر تحدّي الأمن الغذائي إلى القمة العربية، وإصرارُها على توفير الظروف لتحويله إلى واقع، ما كان ليكون، لولا قناعتها بأنها قادرة على تحقيق ذلك محليا، بعد تجارب ناجحة خاصة في الصحراء، إذ كانت التجربة التي فتحت الشهية ونقلتها للأشقاء العرب، الذين بدوا هذه المرة مختلفين، يستمعون إلى الأفكار الجديدة، ويصمتون إذا لم يوافقوا بسرعة، ضمن قاعدة: “الصمت علامة الرضا”، وقد تكون قمّة الجزائر قد أسّست فعلا لجامعةٍ عربية، تُبكم الصهاينة وتنقل إلى ميدانهم الرعب الذي عيّشوا فيه الأمة العربية على مدار عقود، فدبّ اليأس في القلوب، فصارت الجامعة العربية غير جامعة، والقممُ في منتهى الحضيض، ولقاء القيادات إن لم يكن للسياحة، فهو لاستعراض البلاغة، أو للشجارات العلنية كما حدث مرة بين الراحلين الملك فهد والعقيد معمر القذافي.
سيكون من الظلم أن نبحث عن وصف للقمة العربية النوفمبرية التي أقيمت في الجزائر، لأنّ الوصف جاهز وهو.. النجاح.