النجم بيار داغر: الإنسان يرتاح عندما ينضج في كل حدث يمر به فيالحياة
عندما يذكر اسم بيار داغر، يتبادر إلى الأذهان، فورًا، ذلك الحضور الآسر، والأداء الذي يخترق جدران القلوب. إنه الفنان الذي حمل في أدائه عبق الأصالة اللبنانية، وصاغ بأسلوبه بصمة فنية، تجاوزت حدود الوطن، لتصل إلى آفاق الدراما العربية، برقيها وأصالتها. بيار داغر ليس مجرد ممثل؛ إنه حالة فنية متكاملة، ورحلة من العطاء الممزوج بالتأمل والابتكار.
منذ خطواته الأولى على خشبة المسرح وشاشات التلفزة، برز بيار كصانع للحظات المؤثرة، ومُعبّر عن المشاعر الإنسانية العميقة. أدواره ليست مجرد شخصيات تقرأ من الورق، بل حيوات تُستدعى إلى الشاشة، تتنفس وتعيش بفضل موهبته الفذّة. كان بيار ولا يزال تجسيدًا لما يجب أن يكون عليه الفنان الحقيقي: صورة للحقيقة، ومرآة تنعكس فيها معاناة الإنسان وصراعه مع الحياة.
هو الحاضر الدائم لتقديم كلّ ما يُسند إليه فهو العاشق، الحبيب، الـ mafioso ، الضابط، أسير الماضي، المحارب، الحنون، اللئيم، الديكتاتوري… حتّى في دور الـ chef كان حاضرًا بتوابل إبداعه، فأثبت أنّ السرّ والتحدّي يكمنان في طيّاته.
لا تعجزه شخصيّة، فهو كالـ master key حتّى لو كانت تاريخيّة تجده كأميرٍ يدخل كتاب التاريخ، يقبّل الشخصيّة كالأميرة النائمة ليوقظها ويعيدها إلى الحياة.
عن مشواره الفني واهتمامه الكبير باللغة العربية، خاصة بأعماله التاريخية.. كان لمجلة الشروق العربي هذا اللقاء الخاص مع الفنان بيار داغر.
أصبحت أشعر بنضوج أكبر والوعي اختلف وأصبح أكثر غنى في كل شيء
الشروق: بيار داغر اسم كبير لمع في الوطن العربي منذ فترة زمنيّة طويلة وعُرف بأصعب الأدوار وتعدّد اللهجات واللغات، هل كان بيار داغر حقّق ما حقّقه لو بدأ مسيرته في وقتنا الحالي؟
_ الطموح ينجح في أيّ زمان ومكان، صناعة الاسم والشهرة في ذلك الوقت كانت بالكدّ والمجهود الشخصي، ضمن ظروفٍ قاسية. فالوصول ليس بهذه السهولة على كافة الأصعدة، فلم يكن الانتشار إلّا عن طريق بعض القنوات، حتّى الأجور لم تكن عالية، أمّا اليوم، فالوصول إلى باب الشهرة أسهل بكثير عبر المنصّات ومواقع السوشال ميديا، بالإضافة إلى بعض العلاقات والتواصل، فأصبح باب الشهرة متاحا للجميع.
الشروق: لو وضعنا كتاب حياتك أمامك وطلبنا منك تصفحّه ما المحور الذي تحنّ إليه وتتمنّى إعادة سطوره؟
_ لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لكنت بقيت على مهنتي، لكنّي كنت في عمر الثلاثين، سلكت نهجًا مختلفًا، كنت سافرت إلى هوليوود، فهي ليست بالمستحيلة، بل تستقطب كمًّا لا يستهان به من النجوم والمواهب. فقد كنت منذ فترة هناك، فلم أجدها الغول المخيف الذي نسمع عنه، بل على العكس، كنت على يقين من أنّني كنت وصلت لو كنت آنذاك سلكت الطريق إليها.
الشروق: لصوتك رهبة أو خشوع يجعل السامع ينصت لك باهتمام، ما رأيك بهذا وكيف استثمرته؟
_ الحمد لله، ربنا أنعم عليّ بصوت ذي خامة جيدة، وأحاول أن أستثمره مثل ما أستثمر أي شيء جيد ومفيد لي، وهو نوع من الزينة الإضافية، لكن الأهم أن يكون في المكان الصحيح كي لا أستثمره بشكل خاطئ.
الشروق: تبدو مرتاحا تماما بأدوارك التمثيلية رغم صعوبتها، ما سر هذا؟ وكيف تذلل الصعاب عبر الزمن الذي تختلف فيه التقنيات؟
_ الإنسان يرتاح عندما ينضج في كل حدث يمر به في الحياة، بالأدوار الاجتماعية وبالعلاقات مع الناس، وفي كل شيء، خاصة أننا في مرحلة النضوج من كل الجهات، وهذا ينعكس على الأداء، لأني أصبحت أشعر بنضوج أكبر، والوعي اختلف وأصبح أكثر غنى في كل شيء، خاصة بما أقدمه دراميا، كي أعطي فنيا الأفضل، وأسعى دائما نحو التطور وأنتقد نفسي. لهذا، صحيح، أشعر براحة درامية. وهذا، ينعكس أمام المشاهد، ويلمسه من خلال أدواري المسندة إلي، وأؤديها بكل محبة وحرية.
الممثل يصل إلى مرحلة يحترم فيها جمهوره جدا لهذا يصبح أكثر حذراً
لا أحد يصل رتبة الوصول الحقيقي فالطريق طويلة جدًّا مهما تعلّمنا نبقى تلاميذ
الشروق: ماذا منحتك اللغة العربية في المسلسلات التاريخية؟ وماذا أخذت منك؟ وهل من لوم وقع عليك بسبب شخصية لعبت دورها؟
_ اللغة العربية من أجمل اللغات الفصحى. وصدقني، أستمتع جدا بتأديتها، أنا لم أمنحها أي شيء إضافي، على العكس، هي التي أضافت لي كثيرا، وتمرست فيها جداً، عبر فترة طويلة من الدبلجة، حتى تمكنت منها واستغللتها جيداً، بمعنى، أصبحت أؤديها كأني أتكلم بشكل عادي، إلى أن أصبح المستمع يشعر بسلاسة طبيعية، كأنه يسمع كلاما عاميا. وهذا، ما أقصد فعله في أعمالي. حتى أكبر الممثلين، يقولون لي: بيير، الخطأ الشائع عندنا، كلنا ننغم اللغة أو (نمغطها). نعم، منحتني اللغة العربية كثيراً، وهي لغة جميلة جدا، أما من حيث اللوم، فأقول: أنا أحب التنويع في العمل الدرامي، ربما بين الخير والشر تأثر بعض الناس سلبا أو إيجابا، تبعا لثقافة المشاهد، لكن أنا ممثل وعليّ أن أجسد كل الأدوار، الخير والشر.
الشروق: أين أنت في الموسم الدرامي الرمضاني؟ ولم هذا الشح بالنصوص الروائية في الدراما؟ كما بات بيار داغر من أعمدة الدراما اللبنانية ولن أقول العربية ألا يجعلك هذا أكثر حذرا في اختيار الأدوار؟ ومتى ترفض لعب دور شخصية ما؟
_ هذا ليس بالشح، لكن الممثل يصل مرحلة يحترم فيها جمهوره جدا، لهذا يصبح أكثر حذراً في اختيار الأدوار، ويحتاج للانتباه جدا في اتخاذ القرارات، ربما هذا يؤثر بشكل سلبي اقتصاديا، لكن أترك بعض المساحات أو الهوامش الضئيلة جدا، لأستطيع الاستفادة ماديا لظروف ما صعبة أو ما شابه. عادة، أرفض العمل إن لم أشعر بالشخصية التي يتم عرضها علي، فأهم شيء لأوافق على عمل ما، يجب أن أقرأ النص وأحب الشخصية، ومن بعدها، أتطلع إلى التفاصيل الأخرى، مثل من المخرج؟ ومن الممثلون؟ لكن بالمرتبة الأولى، يجب أن أحب الشخصية المسندة إلي، وأقتنع بها، كي أؤديها، وأرفض إن لم أحب الشخصية المسندة إلي.
الشروق: شخصية درامية تتمنى تقمصها في مسلسل أو فيلم؟
_ ما من شخصية أحلم بها، لكن، أتمنى دائما القيام بتجسيد شخصية جديدة في مسلسل قدمته من فترة، أغرتني شخصية الرجل الضعيف جسديا ونفسيا، ولأول مرة ألعب هذا النوع من الشخصيات، وهذا ما يغريني، تقديم كل جديد للجمهور، مثل دوري في مسلسل كاراميل أيضا شخصية كوميدية، وهذا هو الفارق الحقيقي الذي يظهر من خلال الممثل الجيد، أيضا دوري بمسلسل أسر، مع باسل خياط كان مميزا وجديدا بالنسبة إلي. بالمختصر، الممثل الكبير هو القادر على إقناع جمهوره بكل الأدوار.
الإساءة العاديّة من المجتمع أصدّها بالتجاهل فتربيتي لا تسمح لي بردّ الإساءة.
الشخصيّات التاريخية التي لعبتها تؤثر في كثيرًا وتترك عندي انطباعًا خاصّا.
الشروق: أيّ دور من أدوارك الأقرب إلى قلبك وشخصيتك؟
_ كلّ دور أدّيته كان له طابعه الخاص ورسالته الإنسانيّة، يلامس شيئًا ما في كيان الإنسان يؤثّر في شخصيًا، لكن الأدوار الشرّيرة أقوم بأدائها للمتعة فقط، فأحاول إظهارها بنمط معيّن، لكن، في الواقع، لا تترك عندي أيّ أثر، أمّا الشخصيّات الكبيرة التي لعبتها من تاريخيّة إلى كبار الشعراء وغيرهم، فإنّها تؤثر في كثيرًا، وتترك عندي انطباعًا خاصّا، لا سيّما وأنّ أصحاب هذه الشخصيّات هم شخصيّات مؤثّرة وأصحاب رسائل إنسانيّة وكلّ منهم مثال يحتذى به.
الشروق: هل أدوارك تؤثّر على حالتك النفسيّة أم إنّك تسيطر عليها فلا تدعها تغلبك؟
_ لا تترك عندي أثرا.. ممكن لبعض الوقت، بعد انتهاء المشهد أو على المسرح لفترةٍ وجيزة جدًّا، لا تتخطّى الساعات، لكنّي سرعان ما أعود إلى شخصيتي الحقيقيّة.
الشروق: كيف تتعامل مع الإساءة والمُسيء؟
_ إذا كانت الإساءة عبارة عن نقدٍ، وإن كان لاذعًا نابعًا من نقّاد محترفين، حتّى لو كان نقدهم سلبيًا، يعطيني حافزًا إيجابيًا لتحسين أدائي. أمّا الإساءة العاديّة من المجتمع، فإنّي أصدّها بالتجاهل. فتربيتي لا تسمح لي بردّ الإساءة.
الشروق: لو أعطيناك الآن القلم الأحمر ما العلامة التي تضعها لنفسك؟
_ أضع لنفسي خمسة من عشرة.. فلو سألتني: لم؟ سيكون ردّي: بأنّه ما زال ينقصني الكثير من التعلّم، كي أصل، ولو أنّه لا أحد يصل رتبة الوصول الحقيقي، فالطريق طويلة جدًّا، مهما تعلّمنا نبقى تلاميذ.
الشروق: بعد هذه السيرة المشرّفة ما الخميرة التي استخلصتها من عجينة خبرتك؟
_ على الصعيد المهني، حكمتي هي التواضع والإنسانيّة والصدق مع الذات والآخرين، أمّا على صعيد الحياة بالعموم، فهي أنّ الحياة عابرة، رحلة سفر نقطعها.. فهنيئًا لمن يقطعها بسلام، دون مشاكل، يعيشها بسعادة، لا تستوقفه التفاصيل، ولا يعطيها أهميّة كبيرة.