الرأي

النصف المليان من الكأس

حبيب راشدين
  • 1367
  • 0

أفضل تقييم سياسي لمجريات ونتائج الاستحقاق الرئاسي الأخير تكون قد انفردت به السيدة لويزة حنون في لقاء لها على قناة الشروق، استطاعت فيه أن تتجاوز ببراعة هزيمتها الشخصية، وتخرج بتقييم موضوعي للاستحقاق، آمل أن تستفيد منه الطبقة السياسية، وكل من يتصدى للتحليل السياسي.

السيدة حنون توقفت عند أربع محطات لها صلة بالموقف من المسار ونتائجه، ومن شبهة التزوير، ومن الحسم الصريح لصالح الرئيس، وأخيرا الانتقال إلى رصد التحديات المطروحة على الرئيس وعلى البلد في اليوم الموالي لأداء مراسيم القسم.

ليس عندي من المعطيات الضرورية لأي تقييم موضوعي، مثلما توفر للسيدة حنون ولبقية المرشحين، وعلى رأسهم من زعم أن طاقمه قد جند ستين ألف مراقب لحراسة خمسين ألف مكتب اقتراع، ولا أملك حق التشكيك في تصريحات وزير الداخلية بشأن تسليم أكثر من مائة ألف محضر فرز لممثلي المرشحين، ولم أسمع أن المنافسين قد تقدموا بطعون مسنودة بقرائن لا ترد، تثبت حصول تزوير واسع يكون قد غير مجرى الاستحقاق.

لأجل ذلك لن يكون مفيدا للبلد أن يحاول بعضنا، لا التشكيك في مجرى الاستحقاق من جهة نسبة المشاركة، ولا من جهة الفوز العريض للرئيس، ويكون أفيد لو توقف بعضنا، مثلما فعلت السيدة حنون، ليثمن الجزء المليان من الكأس، فيعتبر أن ما حصل من تضييق لمساحة العبث بالمسار الانتخابي هو مكسب للبلد ينبغي البناء عليه، وتثبيته لفائدة الاستحقاقات القادمة.

المحطة الثالثة التي أتفق فيها مع السيدة حنون، لها صلة بالحسم الذي حصل لصالح الرئيس، ومحاولة فهم الدوافع الحقيقية عند الناخب الجزائري، الذي يكون قد فضل الاستقرار على المغامرة، خاصة مع غياب بدائل حقيقية موثوق بها عند المنافسين، فضلا عن استنكار الناخب واستهجانه للاستغلال الفج من بعض المنافسين للحالة الصحية للرئيس.

غير أن أهم محطة أتوافق فيها في التحليل هي التي تبدأ غداة أداء القسم، لأن رئيس الجمهورية قد حصل هذه المرة على تفويض صريح، لم يبق له فرصة للتملص من مسؤولياته في اتجاه فتح ملف الإصلاحات السياسية، عبر إصلاح دستوري يفصل نهائيا في طبيعة نظام الحكم، وتوزيع السلطات بين مؤسساته، وأن يجتهد الرئيس في مساعدة الطبقة السياسية، من الموالاة والمعارضة، على إعادة بناء مؤسسات حزبية مستقرة، منفتحة على الشباب المتعلم، يتم داخلها نقل المشعل من جيل معمر، له بقدر ما عليه، إلى جيل لم يمنح الفرصة حتى نحكم على أهليته في إدارة البلد مستقبلا.

وبيد الرئيس أوراق جيدة ومؤثرة: منها هذا التفويض الشعبي الواسع، ومنها تماسك مؤسسة الجيش وانضباط الأسلاك الأمني، وأخيرا ما تمنحه البحبوحة المالية من هامش استقلال وتحرر من الضغوط الأجنبية، وكلها أوراق يمكن توظيفها لتمرير إصلاحات سياسية، تسبق أي تفكير في إصلاح المنظومة الاقتصادية وروافدها: في التعليم، والتكوين، وحسن تجنيد الموارد المادية والبشرية، مع محاربة الفساد من جهة، ومراجعة طرق توزيع الثروة الوطنية بقدر من العدل الذي يضمن الاستقرار، ويحمي البلد من المغامرات والمغامرين.

مقالات ذات صلة