النقيب سي مراد في مذكراته: لم أستطع تخيل جزائر يرأسها الطاهر زبيري
يعتقد النقيب عبد الرحمن كريمي، المشهور بـ”سي مراد”، أن ما وقع للعقيد الطاهر الزبيري، منفذ انقلاب1967 ضد الراحل هواري بومدين، لم يكن سوى “مكيدة” أوقعه فيها بعض الناقمين على بومدين، ونتيجة حتمية لغياب الفطنة لدى قائد الانقلاب الفاشل.
- يعتقد النقيب سي مراد في مذكراته التي انتهى من كتابتها في 2004، أن تعيين الطاهر الزبيري قائدا لأركان الجيش الوطني من طرف الرئيس الأسبق، أحمد بن بلة، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، في غياب وزير الدفاع، آنذاك الراحل هواري بومدين في العام 1963، هي الحادثة التي كانت سبب الانقلاب على بن بلة في 1965، ثم بعد ذلك القضاء على مستقبل الطاهر الزبيري.
- ويقول القيادي بالولاية الرابعة التاريخية: “لم يهضم بومدين هذا التصرف من رئيسه، غير أنه لم يكن أمامه سوى القبول على مضض بما كان، أما الذي أضمره في نفسه فشيء آخر، ولهذا لما غدر بحليف الأمس القريب (بن بلة)، حان له الوقت ليظهر مكنوناته، التي منها تدفيع الطاهر الزبيري، ثمن الغلطة التي ارتكبها بن بلة يوم تجاهله وعينه على رأس قيادة الأركان”.
- بومدين انتقم من الزبيري بجريرة بن بلة
- ويرى “سي مراد” أن حنكة الراحل بومدين لعبت دورها في جر الطاهر الزبيري إلى مصيره المحتوم، وذاك من خلال دفع البعض إلى الوسوسة في أذن خصمه وتزيين ما يفكر فيه، ويقول في هذا الصدد: “إن بومدين لن يعدم الوسيلة، ووجد من يسر ومن يعلن للزبيري عن كل مساوئ بومدين التي لا تعد ولا تحصى، ويزين ما رسم له”.
- ويرجع صاحب المذكرات ما حدث للزبيري، لقلة الذكاء ومحدودية الفطنة لدى قائد الأركان الأسبق: “مع كل احترامي للأخ الطاهر أقول، إن المسكين لم يكن يملك الفطنة التي كانت ستنجيه مما كانوا يكيدون له”.
- ويستفيض القيادي في سرد انتقاداته للزبيري، الذي كان سببا في المعاناة التي قاساها رفقته بعد فشل الانقلاب، بل إلى درجة أنه اعتبر تخطيطه للعملية الانقلابية سذاجة، في مواجهة خصم على قدر من المكر والدهاء، حيث يتساءل: “من يبرر لي كيف صدق الزبيري نفسه، أنه سيطيح بنظام بومدين في العاصمة بفيلق دبابات ينطلق من مدينة الأصنام، البعيدة بما يربو عن 200 كيلومتر؟”.
- ويتابع: “هل يعتقد أن الرجل الذي أمسك بزمام كل شيء، ولم يتورع عن فعل أي شيء مقابل ذلك، سيقف مكتوف الأيدي منتظرا قدوم الدبابات في حركتها البطيئة لتدك عليه قصره. إن كان أمل الزبيري في دبابات فَيلَقه كبيرا إلى هذه الدرجة، فقد كان حري به أن يخوض بها مغامرته هذه أيام كان هذا الفيلق رابضا غير بعيد عن قصر بومدين، قبل أن تصبح خطة هذا الأخير للإيقاع بغريمه تقتضي تحويله إلى مدينة الأصنام”.
- ويتحدث صاحب المذكرات هنا عن موافقة الزبيري على إخراج فيلق الدبابات الذي كان مقره ببرج الكيفان شرق العاصمة، وتحويله إلى الشلف، ولعل ذلك هو الخطأ القاتل الذي سقط فيه الزبيري، وقضى على مستقبله السياسي والعسكري.
- لم أتخيل جزائر رئيسها الزبيري
- ويعترف النقيب كريمي، أنه كان ضد فكرة انقلاب الزبيري على بومدين، ليس لأنه يقف معه، ولكن لأنه كان على “يقين راسخ بأن الزبيري لا يمكنه أبدا أن يكون صاحب هذا الشرف، فهو صحيح ضابط ومجاهد من الأولين، غير أنه لا يملك من مؤهلات الثقافة والوعي ما يمكنه أبدا أن يكون صاحب هذا الشرف، فهو ضابط ومجاهد من الأولين، إلا أنه لا يملك من مؤهلات الثقافة والوعي من حكم بلاده وقيادة أمة، وإني لا أقدر على تصور شكل الجزائر التي يمكن أن يكون رئيسها سي الطاهر الزبيري، وليغفر لي سي الطاهر هذا القول”.
- ويروي صاحب المذكرات كيف حاول الانقلابيون توريطه في العملية، لكن من دون أن يطلعوه عما كانوا يخططون له، وقد كان على علم بذلك بحكم موقعه على رأس محافظة الشلف، ويقول في هذا الصدد: “قبل أيام من التاريخ الذي حددته الجماعة لحركتها، اتصل بي قائد الفيلق المذكور، الرائد عمار ملاح، وأخطرني بأن لهم مهمة في العاصمة، وأنهم في حاجة لبعض المجاهدين من سائقي الشاحنات، وطلب مني إن كنت أستطيع جمع بعض هؤلاء”.
- وأضاف: “تظاهرت بأني صدقت ما قال لي.. وبالفعل اقترحت الأمر على بعض المجاهدين الذين يحوزون شهادة سياقة الشاحنات، وقد لبى الطلب ثلاثة منهم.. وكان هذا كل ما وجدت نفسي مرغما على المشاركة به في العملية المحكوم عليها بالفشل كما كنت أعتقد مسبقا”.
- “سي مراد” في نجدة الزبيري وبورقعة
- وبعد الذي حدث بالعفرون، وما انتهى إليه مصير العديد من شباب الجيش على يد القوات الموالية لبومدين، التحق الطاهر الزبيري والرائد بورقعة، القيادي في الولاية الرابعة التاريخية، بمدينة مليانة، وأرسلوا في طلب “سي مراد”.
- يقول صاحب المذكرات: “ذهبت إلى المكان المحدد، وتفاجأت بوجود الطاهر الزبيري في معية الأخ لخضر بورقعة.. ورفيقين لهما وقد تقطعت بهما السبل. كانت مع الجماعة سيارة هي ملك لأحد الوزراء، الذي صار مديرا لشركة الخطوط الجوية الجزائرية (خليفة لعروسي والد عبد المؤمن)، وكانوا يحملون معهم أسلحة”.
- لم يكن النقيب “سي مراد” على علم بأنه مطلوبا لدى مصالح الجيش، وقد عرف ذلك بعد استنطاق أفراد الجيش عند حاجز على الطريق، للشخصين اللذين أرسلهما الزبيري ومن معه، لاستطلاع الطريق”، ويروي صاحب المذكرات حدثا طريقا وقع للمجموعة أناء فرارها، ويقول إن “أفرادا من الجيش أوقفونا، وما أن تفرملت السيارة حتى نزل أحد الرجلين اللذين كانا يرافقان الزبيري وبورقعة، وتوجهي في جرأة وهو يبرز مسدسه، وراح ينزل على العسكريين بالسباب ذي العيار الثقيل، وذلك في مظهر القائد العسكري، الذي باغت الجنود الذين تحت امرته وهم في حالة إهمال شديد لمهامهم. كان يسألهم عن الضابط المسؤول ليسمعه نصيبه من الشتم..” وانطلت الخديعة على العسكريين ونجحت الجماعة في مواصلة فرارها.
- وحسب النقيب، فإن رحلة التهريب دامت ثلاثة أيام بلياليها، إلى أن وصل الجميع إلى مدينة المدية، وهنا قال “سي مراد” للطاهر الزبيري: “هذا كل الذي استطيع فعله لكم، وأنتم الآن في نواحي المدية ومعكم لخضر (بورقعة) ابن المنطقة، وهو أدرى بشعابها مني”.ويؤكد النقيب أنه رفض التنديد بالعملية الانقلابية وإعلان مساندتي لبومدين، وقرر الاستقالة من منصبه في الحزب.
- بين أيدي الجنرال تواتي
- يقول صاحب المذكرات إنه استنطق من طرف شرطي عمل لدى المستعمر، وقد أصبح محافظ شرطة يدعى “حمودي” بشارع “كافينياك” بالقرب من البريد المركزي، ويؤكد بأنه أسمعه الكثير من السب والشتم، كما عرض على الملازم محمد تواتي (جنرال مستشار برئاسة الجمهورية) وقد كان قاضي التحقيق، ومما قاله تواتي للنقيب “سي مراد”: “يا مراد لقد كان لك تاريخ حافل لكنك دنسته الآن!”، وكان الرد: “إن كان لي أنا تاريخ ودنسته فحضرتك لا تاريخ لك”. وقد حكم عليه بالسجن النافذ لخمس سنوات.