-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ذاكرة جماعية بقيمة غذائية ورمزية

جزائريون يحتفون بـ “الأكلات المنسية” في شهر التراث

وهيبة. س
  • 314
  • 0
جزائريون يحتفون بـ “الأكلات المنسية” في شهر التراث

عادت، مؤخرا، من زوايا البيوت الجزائرية القديمة، ومن بين دفاتر الجدات التي اصفرت صفحاتها، وصفات ومأكولات كانت يوما جزءا من الحياة اليومية لمجتمعنا… أطباق تقليدية ارتبطت بالأعراس والأفراح والطقوس العائلية، سميت “الأطباق المنسية”، بعد أن تراجعت في السنوات الأخيرة أمام تسارع الحياة وانتشار الوجبات السريعة…

ونحن في شهر التراث، أدركت الكثير من الهيئات والجمعيات، أن هذا “المنسي” يعتبر جزءا من التراث غير المادي، الذي يواجه خطر الاندثار، فلم يكن المطبخ الجزائري يوما مجرد وسيلة لإشباع الجوع، بل كان مرآة للبيئة والتاريخ. ففي مناطق مثل القبائل، الأوراس، الصحراء، ظهرت أطباق تعتمد على مكونات محلية بسيطة، لكنها غنية بالقيمة الغذائية والرمزية، من بينها “العيش”، الذي يحضر من دقيق القمح، ويفتت مع اللبن أو المرق، و”البربوشة” أو “الكسكسي الخشن”، و”المشوش المسيلي”، وأكلة الربيع البليدية، و”الحمامة” المكونة من الأعشاب البرية، و”العصيدة” و”الشخشوخة الحلوة”، و”الروينة”، وغيرها من الأطباق البسيطة، التي تحمل قصصا عن التضامن العائلي والعمل الجماعي.

رغم تغير أنماط الحياة… المنسي يعود!

وفي إطار الجهود الرامية إلى صون التراث الثقافي غير المادي، وتثمين الموروث الغذائي الجزائري، نظم ملتقى “الأكلات المنسية”، تحت رعاية مديرية الثقافة لولاية الجزائر، الذي احتضنه قصر حسين داي بالجزائر العاصمة، يوم السبت، بمشاركة طهاة من مختلف الولايات.

طهاة يسترجعون “المنسي” في الغذاء الجزائري القديم

وبهدف التعريف بالأكلات الجزائرية التقليدية المنسية، التي اندثرت وغابت عن المائدة الجزائرية، تم عرض بعض الأطباق وفتح مجال اكتشاف ذوقها وطريقة تحضيرها. وبحسب بعض الطهاة، فإن فقدان هذه الأطباق لا يعني فقط ضياع وصفات، بل ضياع جزء من الهوية الثقافية والاجتماعية. فكل طبق، بحسبهم، يحمل في طياته لغة، وذاكرة جماعية، وعلاقة خاصة بالأرض. وإعادة إحياء هذه الأكلات لا تتطلب فقط نشر وصفاتها، بل أيضا إعادة الاعتبار لقيمها الاجتماعية.

وقالت في السياق، منظمة الملتقى، الشاف نوال ياس، إن ملتقى “الأكلات المنسية”، يندرج ضمن جهود المجتمع المدني، الساعي إلى إعادة الاعتبار للهوية الغذائية الجزائرية، وترسيخ ثقافة الأكل الصحي وتحضيرات الجدات، والتشجيع على الجلوس إلى موائد المنزل بدل الاتجاه إلى الوجبات السريعة.

وأكدت أنه في السنوات الأخيرة، بدأت تعود الأكلات المنسية إلى موائد الجزائريين تدريجيا، خاصة في المناسبات الدينية والأعياد، فالمبادرات الفردية والجمعوية التي تهدف إلى توثيق هذا التراث من خلال مهرجانات محلية، برامج تلفزيونية، وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، أعادت تقديم هذه الأطباق للأجيال الجديدة، سواء بلمسة عصرية تواكب الذوق الحالي، أم بطريقة تقليدية محضة.

مهرجانات لفن الطهي للتعريف بأطباق صحية للجدات

وترى أن سبب انتشار المنتجات الجاهزة والوجبات السريعة، يعود إلى تغير أنماط الحياة، وخروج المرأة إلى العمل، ضيق الوقت، وكلها عوامل ساهمت في تراجع تحضير هذه الأكلات التي تتطلب وقتا وصبرا.

ومن جهتها، أرجعت الإعلامية ياسمين جنوحات، المساهمة في فكرة تنظيم ملتقى “الأكلات المنسية”، تراجع بعض الأطباق التقليدية الجزائرية إلى العولمة التي ساهمت في إدخال عادات غذائية جديدة، جعلت الشباب يميل أكثر إلى الأطباق السريعة والعالمية.

وقالت: “ربما يمكن إنقاذ الموروث المتبقي في التوازن بين الأصالة والتجديد… فحين تعود هذه الأطباق إلى موائدنا، ولو بشكل جزئي، فإننا لا نسترجع فقط نكهات الماضي، بل نعيد وصل الحاضر بجذوره العميقة”.

طهاة محترفون لخلق فضاء التبادل والتكوين

وجمع ملتقى “الأكلات المنسية”، طهاة محترفين وآخرين في بداية مشوارهم المهني، بهدف تبادل الخبرات والتكوين ولتعزيز الموروث المحلي لكل منطقة والحفاظ عليه.

وفي السياق، أكدت الشاف سميرة بن تومي، من ولاية المسيلة، الفائزة بالمرتبة الأولى في الطبعة الأخيرة من مسابقة وطنية لـ “الكسكسي”، والمرتبة الثالثة في طبعة سابقة بباريس، أن مشاركتها في فهذا الملتقى، فتحت لها فرصة التعريف بالطبق التقليدي، الذي يدعى “المشوش المسيلي”، مشيرة إلى أن هذه الأكلة من الأطباق التراثية العريقة في ولاية المسيلة. وأوضحت أن “المشوش المسيلي” يتميز ببساطة مكوناته وبطريقة تقليدية، فهو شائع في المناسبات والأعراس، ويقدم للعروس كرمز للفرح والضيافة.

وترى سميرة بن تومي أن هذا الطبق يحمل رمزية، وجانبا من التراث الغذائي الجزائري الأصيل، الذي يجب الحفاظ عليه، ونقله إلى الأجيال القادمة، لاسيما في ظل انتشار الأطباق العصرية، والوجبات السريعة.

ومن بين الأكلات المنسية الكثير من الأطباق التي تعتبر إرثا جبليا يجمع بين الغذاء والعلاج والحفاظ على الصحة، حيث قالت

الشاف آسيا عقون من مدينة البليدة، إن مشاركتها في ملتقى “الأكلات المنسية”، كان بطبق “الحمامة”، الطبق التقليدي القديم الذي أقبل عليه المتذوقون، بعد أن لفت انتباه زوار قصر الداي.

وطبق “الحمامة”، بحسب أسيا عقون، مزيج من الأعشاب الجبلية٬ يحتوي على 99 عشبة، أبرزها “الحلحال” والمريوت وعشبة “التيمارسات”، وغيرها من النباتات البرية المعروفة ذات الفوائد الصحية.

وبحسب ذات المتحدثة، فإن كل هذه النباتات والأعشاب تطحن وتخلط مع الدقيق “السميد”، بطريقة تشبه تحضير الكسكسي، أي فتله وطهيه بالطريقة التقليدية، قبل أن يقدم في صحن طيني مع اللبن أو الرائب.

وسر تسمية هذا الطبق بـ “الحمامة”، كونه طبقا صحيا، ينظم الجسم من السموم، أي بمثابة حمامة حاملة للسلام، فهو يقدم مع زيت الزيتون، ويمكن أن يضاف له السكر بحسب الذوق، إذ يجمع بحسبها، بين العلاج والبعد الثقافي التقليدي، ويعود الطبق في أصله إلى مناطق جبل الشريعة.

وطبق “الحمامة” لا يختلف كثيرا عن أكلة الربيع عند سكان البليدة، فقد عبرت الشاف آسيا عقون، عن أملها في أن ينتشر هذا الطبق عبر باقي الولايات، ويصبح فرصة لاستغلال بعض فوائد الأعشاب والنباتات خلال فترة الربيع، كعلاج وكغذاء تقليدي يحمل الحنين إلى موائد الأجداد.

للإشارة، فإن الجزائر العاصمة ستحتضن نهاية هذا الأسبوع، فعاليات الطبعة الثانية من مهرجان فنون الطهي، الذي تنظمه جمعية “الأفناك الذهبية للسياحة وفنون الطهي”، بمشاركة وطنية ودولية واسعة، إذ يهدف المهرجان إلى إبراز ثراء المطبخ الجزائري والتعريف بتنوعه، من خلال تقديم أطباق وحلويات تقليدية تعكس عمق الهوية الثقافية، إلى جانب فتح المجال أمام التبادل الدولي للخبرات بين الطهاة المحترفين والحرفيين، في لقاء يجمع بين التقنيات الحديثة والأسرار المتوارثة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!