النهضة وتحدي السلفية في تونس
أثناء بث تلفزيوني مباشر خاطب السلفي الجهادي من جماعة “أنصار الشريعة”، نصر الدين العلوي، وزير الداخلية التونسي علي العريضي (حركة نهضة)، قائلا له: “عددت كفني وأدعو شباب الصحوة أن يعدوا أكفانهم.. لقد علمتكم عقيدتكم في حركة النهضة القتل وحزبكم عميل لأمريكا، والبلاد اليوم تدار وتحكم من واشنطن”، وأضاف أن ”وزير الداخلية لا يتحكم في وزارته، ولا يملك غير تهديد التيار السلفي، لأن دمهم رخيص، والأحزاب تقوم بحملة انتخابية على جثة التيار السلفي”.
وتعليقا على تدخل السلفي، وفي نفس البرنامج، خاطب سمير بالطيب، القيادي في المعارضة اليسارية، وزير الداخلية قائلا معرضا بقول راشد الغنوشي: “هذه هي الثقافة التي يبشر بها دعاة السلفية، إنها ثقافة تحرض على القتل وتهدر الدماء وتبشر بالفتنة”.
وهكذا نتأكد بأن فوز حركة النهضة، بعد تشتتها وما لحق بها من ابتلاء السجون والقتل والتشريد وصنوف العذاب، لم يكن إلا ابتلاء جديدا قد يكون أشد قسوة من الابتلاءات السابقة.. فازت حركة النهضة بثقة معظم التونسيين وفي الحقيقة أراد التوانسة أن يكافئوا حركة النهضة على صبرها وبلائها الكريم، في مواجهة أعتى الأنظمة العلمانية ديكتاتورية ونذالة.. وكان من الصعب أن يتجشم أبناء تنظيم سري مطارد أو مسجون دفّة أمور الحكم والإنتاج، فهنا مجال الخبرة والتعامل بالوقائع وليس بالأماني والشعارات.. كان الكثيرون من ابناء النهضة يتخيلون أن الأمر يحتاج فقط رجالا مؤمنين بالنهضة، إلا أن الأشهر السابقة استطاعت أن تكشف فشلا ذريعا للشعار والتجربة التونسية..
صحيح أن حركة النهضة أجرت تعديلات كبيرة على الخطاب والسياسة، بل والثقافة بما يجعلها أقرب إلى الخط الليبرالي والعلماني لتستطيع التقرب من الغرب والأحزاب العلمانية صاحبة العلاقات الوثيقة مع الغرب.. إلا أن ذلك أنتج فراغا كبيرا في ساحة الشعار الإسلامي ملأه السلفيون باقتدار، وأصبحوا بما لديهم من حماسة وتماسك الخطاب أقدر على جذب الأنصار، فيما انخرط أنصار النهضة في التنافس على مواقع السلطة وظهرت المحسوبيات والوساطات التي كانت أحد أسباب ثورة الشعب التونسي على نظام بن علي، حيث جعل الشيخ راشد صهره الصحفي بقناة الجزيرة وزيرا للخارجية.. وهذا مثال لما عليه توزيع المناصب في تونس.
إلا أن التحدي الحقيقي الذي يهدد تونس، هو تنامي تياران عن يسار النهضة ويمينها يتهددان وحدة تونس ونسيجها الاجتماعي، يتمثل الأول في التيار السلفي الذي ينتشر بنشاط كبير في أوساط الشباب، ويتحرك بفعالية وقد قام أتباع هذا التيار بأعمال وصفت بالعنيفة ضد مظاهر الفساد المنتشرة في تونس، الأمر الذي أحرج النظام الذي يقف عن يساره الليبراليون يطالبون بقمع الظاهرة السلفية.
ما هو السبيل للخروج من المأزق، وقبل أن تتصاعد الأمور في تونس وتنزلق إلى حروب داخلية؟ هل تستطيع النهضة تجسير العلاقة مع السلفيين وكسب الليبراليين؟ حتى الآن لا يبدو أن هناك خطوات جادة، الأمر الذي يكتنفه الخوف والريبة من مستقبل مضطرب لتونس.