-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

النّعمة المهدَرة!

سلطان بركاني
  • 55
  • 0
النّعمة المهدَرة!

جميعنا يعلم ويحفظ حديث النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه فيمَ فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه”. لكن لعلّ قليلا منّا يسأل نفسه عن هذه الأربع؛ عن أوقاته وعن صحّته وعن ماله وعن علمه، وأقلّ مِن القليل مَن يستشعر حقيقة أنّه مسؤول لا محالة عنها بين يدي الله جلّ وعلا، وأنّ الإجابة ستكون صعبة وربّما مخزية لمن سها ولها ونسي الموعد والمنتهى!

الفراغ نعمة من نعم الله تعالى؛ لكنّ أكثر النّاس قد غبنوا فيها، فهم لا يقدرونها حقّ قدرها، وينفقونها بسخاء يصل إلى حدّ الإسراف والتبذير. يقول النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام-: “نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس؛ الصحّة والفراغ”؛ مغبون من يظنّ الحياة لهوا ولعبا، وينفق أوقاته في قيل وقال وغفلة وسوء حال، ويملأ فراغه بما يقسّي القلب ويثقل الرّوح ويلهي عن المنقلب والمآل.

إنّ العمر -أخي المؤمن- أيام تتعاقب، ويوم يضيع في غير طاعةٍ لله وفي غير مصلحة دنيوية أو أخروية، هو خسارة عظيمة لك ولأمّتك… ربّما تحسب ألف حساب قبل إخراج دينار من جيبك، لكنّك تنفق أوقاتك من دون حساب. ووقتك هو رأس مالك؛ يقول صحابيّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عبد الله بن مسعود -رضـي الله عنه-: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي”.

إنّه لأمر مؤسف حقّا أن يعيش شباب في عمر العطاء، لا يبالون بإضاعة أيامهم وقتل أوقاتهم في اللّهو والغفلة… ضياع ما بعده ضياع وحرمان ما بعده حرمان، أن يألف شبابنا النّوم في مواسم العطل حتى الضحى أو ما بعد الضحى، تطلع عليهم الشمس وتتوسّط كبد السماء وهم يَغُطون في نوم عميق، قد بال الشيطان في آذانهم، إذا قام أحدهم قام وهو ثقيل الخطى خبيث النفس هزيل القوى كسلان، على حين تطلع الشمس على قوم آخرين من غير أهل الإسلام وهم منهمكون في إصلاح دنياهم وتدبير شؤونهم.

نعم. الرّاحة بعد عام من الجدّ مطلوبة؛ لكنْ أن تستغرق الرّاحة أشهرا متتالية، فهذا أمر منكر. حرام -أخي الشابّ- أن تمضي أشهر الصّيف كلّها بين نوم ومباريات وجلسات سمر وقنوات. سنوات مرّت من عمرك وربّما لم تختم القرآن ولو مرّة في حياتك، وربّما لا تحفظ من كتاب الله جزءًا واحدا، ولا تحسن تفسير سورة الفاتحة وآية الكرسي والمعوّذتين فضلا عن غيرها من السّور، وربّما إلى الآن لا تحفظ أذكار الصّباح والمساء ودعاء الصّلاة على الجنازة!

أخي المؤمن، يا من بدأت إجازتك، أو تفكّر في بدايتها؛ من حقّك أن ترتاح وتروّح عن نفسك، لكن ليس من حقّك أن تمضي ساعاتك وأيامك كلّها في التّرويح وإضاعة الواجبات… اتق الله، فالعمر أنفاس لا تعود إلى يوم القيامة. اجعل لك هدفا في هذه العطلة تسعى لبلوغه. قل مثلا: سأحفظ الحزبين الأخيرين من القرآن، وأتقن تفسيرهما، سأحفظ أذكار الصّباح والمساء والنّوم والاستيقاظ والدّخول والخروج، سأقرأ كتابا مختصرا في العقيدة، سأطالع باب الطهارة وباب الصّلاة في الفقه.

أيام الصّيف طويلة، وهي فرصة لا تعوّض لمن أراد أن يغيّر حاله ويرفع عن نفسه الجهل بدينه. والعطلة لا تعني أبدا العطالة من كلّ شيء؛ اجعلها عطلة من أمور الدّنيا وأقبل على أمور الآخرة. ارتح قليلا من هموم دنياك واحمل همّ أخراك، وأعد تنظيم حياتك وترتيب نفسك.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!