رسالة إلى محاربي الصحراء
بعيدا عن المردود الذي قدّمه المنتخب الجزائري أمام نظيره الهولندي، في مواجهة تجاوزت قيمتها النتيجة الفنية، حيث كانت المرآة الحقيقية التي كشفت مدى جاهزية كتيبة فلاديمير بيتكوفيتش قبل شد الرحال نحو الولايات المتحدة لخوض غمار مونديال 2026. هذا اللقاء، ضد المصنف السابع عالمياً، مثّل المحطة التحضيرية الأخيرة والامتحان التكتيكي الأصعب الذي سيعتمد عليه المدرب في ضبط اللمسات النهائية وتحديد التشكيلة الأساسية التي ستواجه الأرجنتين في الافتتاح الرسمي يوم 17 جوان بمدينة كانساس سيتي.
وتدخل النخبة الوطنية هذا المعترك العالمي مدفوعة بطموحات شعبية عارمة لا ترضى بأقل من تجاوز إنجاز مونديال 2014 التاريخي، حين بلغ المنتخب الدور الثاني وأحرج الألمان بطل النسخة آنذاك. إن الرغبة في الوصول إلى أدوار متقدمة ليست مجرد أمنيات، بل هي محاولة لاستكمال ما بدأه “جيل 1982” المظلوم تاريخياً؛ ذلك الجيل بقيادة عصاد وبلومي وماجر، الذي قهر ألمانيا والشيلي وسلب منه التأهل بمؤامرة شهيرة، ما يجعل جيل اليوم أمام مسؤولية مزدوجة تتمثل في رد الاعتبار لذلك الإرث وكتابة مجد جديد تحت أنظار العالم.
وعلى المستوى الفني، يراهن بيتكوفيتش على توليفة تمزج بين الخبرة وروح الشباب الواعدة، فرغم الشكوك التي تحوم حول حراسة المرمى إلا أن الجاهزية الدفاعية بقيادة بن سبعيني وآيت نوري وبلعيد، والفعالية الهجومية بقيادة رياض محرز وأنيس حاج موسى، تعطي مؤشرات إيجابية على قدرة المنتخب على المنافسة. كما يمثل خط الوسط، رغم غياب هشام بوداوي، القوة المحركة للانسجام الوطني بفضل عودة بن طالب وحيوية فارس شايبي الذي أكد أن الروح الجماعية هي المحرك الأساسي للمجموعة في مواجهة الكبار.
الوصول إلى هذه الأهداف يتطلب مناخاً من الهدوء والاستقرار؛ فالمنتخب اليوم في أمسّ الحاجة إلى تلاحم الجبهة الداخلية من نقاد ومحللين. إن المرحلة تفرض المساندة المطلقة والالتفاف حول خيارات الطاقم الفني بدلاً من “إشهار السيوف” وإغراق المنتخب بالانتقادات الهدامة قبل ضربة البداية، فالتحديات التي تنتظر “المحاربين” في دور المجموعات، بداية بصدام الأرجنتين ثم مواجهتي الأردن والنمسا، تقتضي دخول البطولة بروح قتالية واحدة، وهو ما يسعى بيتكوفيتش لغرسه في هذا الجيل الذي يمتلك كل المقومات للذهاب بعيداً وجعل مونديال 2026 فخراً كروياً يتردد صداه لسنوات طويلة.
رسالتنا إلى كتيبة المحاربين، وهي على أعتاب كتابة فصل جديد من تاريخ الكرة الجزائرية، هي أنكم لا تمثلون أنفسكم فقط، بل تحملون معكم آمال، ودعوات، وشغف ملايين الجزائريين الذين تنبض قلوبهم على وقع أقدامكم فوق أرضية الميدان، أمامكم فرصة ذهبية لرد الاعتبار لجيل 1982 المظلوم الذي قهر المستحيل، ولإعادة إحياء ملحمة جيل 2014 الذي شرّف الراية الوطنية أمام كبار العالم. المدرب بيتكوفيتش يثق في مجموعتكم، ونحن خلفكم نرى في هذا التعداد المزيج المثالي بين خبرة الكبار وعزيمة الشباب وإرادتهم.