الذكاء الاصطناعي حاسم في مسألة الخيارات اللغوية!
جميع النماذج اللغوية الكبرى التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي اليوم بالإضافة إلى الأساس التكنولوجي الذي تقوم عليه، إنما تعتمد على البيانات العالمية المُصنَّفة وذات النوعية العالية، وغالبيتها الساحقة (نحو 90% من الرموز tokens) هي باللغة الانجليزية، أي أن أي نموذج ذكاء اصطناعي بما في ذلك “ديب سيك” الصيني أقوى منافس للأنظمة الأمريكية ليس بإمكانه الاستغناء عن الانجليزية، ليس لأن اللغة الصينية أضعف ولكن لأن أغلبية البيانات ذات الجودة في العالم والمُصنَّفة إنما هي باللغة الانجليزية (هذا لا يعني عدم اعتماده على الصينية ولغات أخرى بما فيها العربية)، الأمر ذاته ينطبق على دول الاتحاد الأوروبي التي هي اليوم غير قادرة على تدريب نموذج ذكاء اصطناعي خاص بها انطلاقا من لغاتها، وهذا ليس عيبا في هذه اللغات في حد ذاتها، إنما في ضعف كمية البيانات المُصنَّفة بها والتي يمكن للذكاء الاصطناعي الاعتماد عليها. ولذلك نحن لا نسمع بنموذج الذكاء الاصطناعي الأوروبي EuroLLM-22B الذي يدعم 24 لغة أوروبية ولغات أخرى من دون جدوى!
لذلك فإننا اذا افترضنا أن مؤشر قياس تقدمنا العلمي والتكنولوجي سيكون في المستقبل وصولنا إلى بناء نموذج ذكاء اصطناعي عالمي فإننا لا يمكننا الاستغناء عن تدريبه على البيانات ذات الجودة العالية والمُصنَّفة في جميع الاختصاصات باللغة الانجليزية، أما اللغات الأخرى فستكون مساهمتها مُكمِّلة. تبقى فقط امكانية تدريب هذا النموذج أو ذاك على دعمها والاستفادة مما لديها من بيانات مسألة مطروحة. وهنا تتقارب اللغات المختلفة وتتنافس على الـ10% من البيانات المتبقية. وبقدر ما تنشط لغة في مجال تصنيف بياناتها وتكون ذات جودة عالية لِيستوعبها الذكاء الاصطناعي تحتل المكانة المناسبة لها، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
يبقى الأساس التكنولوجي الذي يقوم عليه الذكاء الاصطناعي وبالدرجة الأولى قوة الحوسبة وصناعة الشرائح مجالا آخر أوسع من حيث صعوبة التحكم فيه نظرا لِتسارع تطوره يوما بعد يوم. وهنا أيضا تحتل بعض الدول المتقدمة مواقع الريادة ويتنافس موقعان عالميان على ذلك. السيليكون فالي الأمريكي في كاليفورنيا، والسيليكون فالي الصيني (زوانغوانكون + تشانغ-جيانغ) حيث توجد الـhigh-tech parks الصينية. هنا المجال هو لتصنيع الشرائح النانوية (المتناهية في الصغر) وبناء مراكز البيانات والتنافس على قوة الحوسبة والحوسبة الكمومية والبرمجة والتطبيقات… الخ. ولا يمكن تدريب الباحثين في هذه المجالات من دون اللغة الانجليزية وإلا وجدوا أنفسهم على هامش التطور العالمي وفي عزلة تامة. ولا تشذ الصين عن هذا، حيث أن أرقى أبحاثها عن الحواسيب الكمومية (حاسوب Zhongzhi 3.0) نُشر باللغة الانجليزية في مجلة Physical Review Letters التابعة للجمعية الفيزيائية الأمريكية التي لا تُعطي أكثر من 4 صفحات لأشهر الأبحاث!
معنى هذا أن أية رؤية مستقبلية في المدى المنظور (دون الخمسين سنة) لأي تكوين في المجال التكنولوجي لا يمكنها الاستغناء عن اللغة الانجليزية.
تبقى اللغة الوطنية لأية دولة عنوان شخصيتها وهويتها وأساس تماسكها الاجتماعي لا شك في ذلك، وعليها أن تتطلع لأن تجعل منها لغة العلم والتكنولوجيا، وفي هذا المجال ينبغي تشجيع التعليم بها والإنتاج العلمي بها لإحداث تراكم معرفي يسمح بتصنيف بياناتها والاستفادة منها عالميا. وهنا لا شك أن اللغة العربية تمتلك تراثا كبيرا في شتى أنواع المعرفة ينبغي رقمنته وتصنيفه والإضافة عليه، كما أن اللغة الأمازيغية في حاجة إلى جهد مضاعف لتحتل مكانتها في المستقبل ضمن الإنتاج المعرفي العالمي. أما اللغات الأخرى فلا نتحدث عنها أفضل.