الرأي

الهملة‭ ‬قبل‭ ‬الحملة‭!‬

جمال لعلامي
  • 4585
  • 6

حدّثني أحد مواطني الجزائر العميقة، أن نائبا من ولايته، أعاد تشغيل رقم هاتفه القديم، بعد ما أقفله لقرابة خمس سنوات كاملة، وهو ما فاجأ الجمهور العريض، الذي حاول مرارا وتكرارا الاتصال به منذ انتخابه ممثلا لهم في تشريعيات ماي 2007، لكن دون جدوى، فقد فرّ سيادة النائب‭ ‬بجلده‭ ‬نحو‭ ‬برّ‭-‬لمان‭ ‬في‭ ‬العاصمة،‭ ‬حيث‭ ‬‮”‬التحواس‭ ‬والتشماس‮”‬‭ ‬مقابل‭ ‬رفع‭ ‬الأيدي‭!‬

ليس غريبا أن يتذكر النواب السابقون ممّن تكاد عهدتهم البرلمانية أن تنقضي، الزوالية ومساقط رؤوسهم وتلك العجائز التي “ولولت” عند ترشحهم وعند فوزهم، وليس غريبا أن يشغل هؤلاء أرقامهم الهاتفية القديمة، ويستأنفون مأمورية التوسّل والتسوّل حتى يتمّ تجديد الثقة فيهم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يستمرون‭ ‬في‭ ‬الهيئة‭ ‬التشريعية‭!‬

 

حتى وإن كان الطموح مشروعا، فإنه من العيب والعار العودة إلى المداشر والقرى، لجني حصاد انتخابي لم يُشارك هؤلاء النواب الهاربون في زراعته، لكن الآن ومع عودة “الهملة”، يعود طماعون ووصوليون لكسب ودّ بقايا الناخبين ممّن ماتت في دواخلهم الرغبة في الترشّح والمشاركة‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬الانتخابية‭!‬

ليس خافيا أن الكثير من النواب “الأشاوس” تورطوا في تنفير الأغلبية المسحوقة من الناخبين وتحريضهم على عدم الانشغال بالانتخابات، التي دفعت هؤلاء النواب إلى غلق هواتفهم الجوّالة وهجر مداشرهم، والتلاعب بانشغالات الزوالية ومشاكل الغلابى في مختلف بقاع الربوات المنسية‭!‬

لا يُمكن لنائب أن يمثل الشعب، وهو من يُسارع إلى تبديل أرقام هواتفه، من باب أن “العقلية تبدلت”، وعندما تعود الانتخابات يُعيد ربط رقمه القديم، في الوقت بدل الضائع، بهدف إغراء الناخبين واستدراجهم لإعادة التصويت عليه، لكن أغلب الناخبين يحفظون عن ظهر قلب المثل الشعبي‭ ‬الشهير‭: ‬‮”‬ياو‭ ‬المعاودة‭ ‬في‭ ‬الطعام‮”‬‭!‬

لقد أصبح النائب في نظر المواطنين، ذلك التاجر أو المستثمر أو البزناسي أو السمسار، الذي يُراوغ ويخطط ويتآمر لدخول قصر الدكتور سعدان، وهناك تبدأ عمليات التمثيل على الشعب بدل تمثيلهم والدفاع عنهم، ولذلك، سئم المواطن من “الهفّ والتبلعيط” والكلام المعسول ولغة الوعود‭ ‬والعهود‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسمن‭ ‬ولا‭ ‬تغني‭ ‬من‭ ‬جوع‭!‬

النائب الذي يفرّ بجلده من دشرته ولا يسأل عن أصدقائه، ويغيّر عقليته وأرقام هاتفه وعنوانه، لا يُمكنه أن ينجح في إقناع الناخبين بجدوى التصويت عليه، وتجديد الثقة فيه، فقد صعد إلى البرلمان وغيّر جلده ولم يردّ “الجميل” فكان ناكرا للخير!

العودة إلى الطباع والأرقام الهاتفية القديمة، لا يُمكنها أن تبيّض صورة الهاربين والمتبدلين، ولا يُمكنها أن تساهم في إنجاح الانتخابات، طالما أن هذا النوع من البشر، لا يفرّق بين الشجر والحجر، ولا يتذكر الماضي إلاّ إذا واجهه المستقبل، ولا يعود إلى أصله وفصله وناسه،‭ ‬إلاّ‭ ‬إذا‭ ‬شعر‭ ‬بالخطر‭ ‬يتربّصه‭!‬

يا أيها النواب.. المشكل ليس في غلق الهاتف عند انتخابكم، ثم إعادة فتحه عند انتهاء العهدة، وإنـّما الإشكالية في الثبات والاستمرارية والوفاء للعهد، وفي كثيرا من الأحيان فإن الكلمة الطيبة هي مفتاح النجاح، فقديما قالوا: اللسان الحلو يرضع اللبة!

مقالات ذات صلة