-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رشدي رضوان يتحدث عن روايته الأولى ويؤكد:

الهنقاري تقدّم قصة إنسانية والشعر لم يعد يستوعبني

زهية منصر
  • 483
  • 0
الهنقاري تقدّم قصة إنسانية والشعر لم يعد يستوعبني
أرشيف

يدخل رشدي رضوان أولى تجاربه السردية من بوابة الشعر والصحافة حيث جاءت روايته الأولى “الهنقاري” والتي دخلت القائمة الطويلة للبوكر العربية بلغة فرضها منطق الشاعر وتفاصيل قصة أحاط بها قلم صحفي محترف قادما من عوالم الثقافة، بما تفرضه من رصيد معرفي حيث استلهم رشدي قصة روايته التي تدور إحداثها في الحب العالمية من سنفونية الموسيقار الشهير فرانس ليستز، حيث تتقاطع أقدر الجزائري والهنقاري والمسلم واليهودي والمسيحي بحثا عن الخلاص.
يتحدث رشدي في هذا اللقاء عن مغامرة كتابة أولى عمل روائي وما أحاط بها من تجربة.

هذا أول عمل روائي لرشدي رضوان القادم من الشعر هل هي خيانة لديوان العرب؟
يصفعني منذ سنوات سؤال الشعر، وأحسّ في مواجهته بأني مذنب يستحقّ العقاب، كما يعود سؤال اقتراف السرد اليوم؛ باعتباره تهمة وجب تبريرها.. ودائما أقف أمام هذين السؤالين في حيرة سؤال ثالث: من يملك مفاتيح بيت التصنيف الأدبي ؟ وهل يجب أن نستأذن أحدا قبل فتح بابه؟
كتبتُ الشعر حين كتبته، وكنتُ في ريعانه أحسب نفسي الشاعر الأبهى والأقدر، حتى عندما حظي ديواني “فتقوه” بجائزة رئيس الجمهورية للإبداع، لم أعر الحدث بالغ الاحتفاء؛ معتبرا الحاصل تحصيلا عابرا. كتبتُ الشعر لأنني كنت أحبّ صحبته؛ أتلذذ بهبة خلقه، أنتشي مع موسيقاه، وعندما اعتقدت أنني ملكته، وقف في وجهي سؤال “الجدوى” : ماذا بعد؟ وقبل أن أحاول افتراض الإجابة؛ طحنتني آلة الكتابة المهنية اليومية التي تشبه صبّ الماء في الرمل، لا الماء ينضب ولا الرمل يرتوي.. وبعد تذكر السؤال العالق، لاحقا، أدركت أنني خلّفت صاحبي الشعر وحيدا على قارعة الطريق..
هل تصدقيني لو قلت: لم أملك الجرأة لمواجهته مجدّدا.. قد يقول قارئ الآن “كفاك دراما”، لكن سؤالك المكرّر أعلاه، لا يزال يُربكني إلى اليوم..
أمّا مسألة كتابة الرواية والاتجاه إلى السرد، فلطالما قلت إن الكتابة الروائية هي قضية احتراف وتفرّغ، بيئة ملائمة، “لابتوب” جيد، رفيقة مُتفهّمة، وكثير من الوقت، بالإضافة طبعا إلى قصة تستحقّ أن تروى.. وكلّ هذه المعطيات توفّرت لدي مؤخرا؛ ببركات الحجر الصحّي والابتعاد الظرفي عن ماكنة العمل اليومي.

تهتم الرواية بتفاصيل دقيقة جدا خاصة في تصوير مشاهد الحرب أو طبائع الشخصيات هل تعتبر هذا من فضائل مهنتك “الصحافة”؟
صحيح، يمنحنا التعاطي اليومي مع الكتابة والرصد، نحن أصحاب مهنة الكتابة الصورة، مرونة أكبر في التقاط التفاصيل من حولنا والاهتمام بالجزئيات التي تشكل الصورة الكاملة والصبر على اصطياد الأجوبة، وهي أدوات تحتاجها الكتابة السردية التي تتكئ على توفر المادة الواقعية والمتخيلة. ولأن رواية “الهنغاري” عمل معزز بالتفاصيل التاريخية والأحداث الواقعية، كان لزاما عليّ تحري الصدقية التي تفرضها مهنة الصحفي في توثيق حقائق البيئة السردية، أما المتخيّل في الرواية فهو أمر يعتمد على جودة الحكاية ومشاهدها المفترضة التي تكون مساحة الحرية فيها أكبر وأوسع رواية الهنغاري، في اعتقادي، عمل يقدّم حكاية الإنسان كما نصدّقها، من دون ماكياج أو تسطيح أو تقعّر معرفي ولغوي، أو استعراض بطولة شخصية.. هي حكاية يسهل تصديقها.

بنيت الرواية على راسوديات الموسيقار فرانس ليستز.. هل يمكن أن نقول إنه ألهمك أم كان مجرد طريق للكتابة؟
لا أريد أن أجعل من استثمار الرواية في روح الموسيقى الكلاسيكية، مبعثا للتبجّح المعرفي أو إعطائها صفة العمل المُخملي النخبوي.. لقد كان لموسيقى فرانس ليستز، منفذ سلسل في جسد السرد لاعتبارات كثيرة أولها، شخصية جينو ماتيوش عازف البيانو الذي كان لابد له من سند موسيقى يستند إليه، بالإضافة إلى اهتمام الموسيقار المجري ليستز بالغجر، واستعمال رقصتهم في تأليق سيمفونيته المعروفة وهو دافع مشترك بين الرجلين، ولأن جينو ماتيوش رتّب علاقتي مع موسيقى ليستز؛ وجدت أن استعمال تقنية تبويب الرواية على شاكلة تبويب سيمفونيات ليستز؛ تجربة تستحق المغامرة، لذلك جاءت فصول الرواية مرتبة في لوحاتها التسع عشرة مثل لوحات السيمفونية المجرية، وعندما حملني السرد إلى بيئة جزائرية قسنطينية، فرضت عليّ موسيقى المالوف سطوتها أيضا، واستحضرت قاموسها بكامل سحرها وغوايتها.
لقد كتبت رواية معجونة بالموسيقى؛ واكتشفت في خضمّ الكتابة أنّ أفصح لغة للكتابة السردية التي يفهمها الإنسان أينما كان؛ هي لغة الموسيقى.. الموسيقى التي جمعت الهنغاري بالجزائري من دون لسان ناطق.

يبتعد رشيدي رضوان في عمله هذا عن المواضيع المطروقة مؤخرا في الرواية الجزائرية الإرهاب الحراك ثورة التحرير، كيف ولدت فكرة العمل؟
لم يكن في نطاق تفكري أبدا؛ أن ألتزم بتيمة مسيطرة على مزاج الكتابة في محيطي، إن كانت هناك تيمة أصلا، بل حاولت أن أقدم لغة وسردا ينسجم مع روح الرواية وطبيعة قصتها من دون تعقيد، تعاملت مع الكتابة بمنطق القراءة، كتبت ما شعرت بأنني قادر على قراءته، والذي أصدقه أنا سيصدقه القارئ، كما أنني لا أؤمن بمنطق التنظير للواقع أو صبّ الأفكار الدونكيشوتية على ورق الحروب الوهمية. تعاملت مع الكتابة السردية بمنطق المتعة الشخصية أولا، وبمنطق حرفة الحكي ثانيا، من دون قفّازات ولا شوكة وسكّين.
أعتقد أنني كتبت رواية لا أثر فيها لشخصي ولا لبيئتي الحالية؛ ثم إني لا أؤمن أصلا بقوالب الكتابة الجاهزة ومواسمها.

رغم أن الرواية خيالية لكنها في ذات الوقت تستند إلى معطيات تاريخية.. هل أجريت من قبل بحوثا للإحاطة بموضوعك؟
كما لاحظت زهيّة، تجري أحداث الرواية في فترة معقدة من التاريخ البشري الحديث وبالتحديد في سنوات الحرب العالمية الثانية، حيث تتقاطع أقدار رجال من بيئات مختلفة، يتورطون في حرب لا تعنيهم وعلى أرض بعيدة في الشمال الفرنسي بعد رحلة مرهقة مثخنة بالسخط والقنوت..
لذلك تطلبت مني صدقية السرد، الوقوف عند أهم المحطات التاريخية لتلك المرحلة، بتعقيداتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، وعملت على استحضار المادة التوثيقية المناسبة لبيئة القصة بحساسية مفرطة. سواء في هنغاريا أو باريس أو حتى الجزائر سنوات الحرب العالمية الثانية.
أنا سعيد بهذه الرحلة التي رافقت فيها الهنغاري إلى عوالمه المميزة، وأشعر اليوم، والهنغاري معكم، بأنني عشت حقيقة حيوات أخرى وبعثت من جديد.. إنه سحر الرواية، أن تعيش أكثر من حياة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!