الرأي

الواجبات والحقوق بين القمة والقاعدة

الشروق أونلاين
  • 2221
  • 1

يحكى ان الزعيم الهندي، المهاتما غاندي، دعي إلى المشاركة في مؤتمر لحقوق الإنسان، باعتباره مناضلا في سبيل استقلال بلاده، فاعتذر عن حضور المؤتمر، ولم يكتف بالاعتذار، وإنما بعث برسالة يقول فيها: تنظمون مؤتمرا لواجبات الإنسان، فسأكون من اول الملبين للدعوة.

ذلك أن الزعيم غاندي الذي حارب الاستعمار بالسلم، وقال لشعبه يومها، لو ان كل واحد منكم بسق بسقة واحدة لغرق الأنجليز في لعابكم، إشارة منه إلى قوة الفعل الاجتماعي البسيط، الذي لا يكلف جهدا كبيرا، وثماره أكبر منه بكثير، لا يؤمن بنيل الحقوق من غير واجبات تبذل؛ لأن صاحب الحق لا يصل إليه إلا بالواجبات التي يبذلها وليس بعطاءات الآخرين، كما يتوهم سماسرة المطالبة.

إن الحقوق التي يناضل من أجل نيلها المناضلون، من المصلحين والسياسيين والنقابيين، وتتفاوض عليها الأجهزة النقابية مع المؤسسات التنفيذية الرسمية وغير الرسمية، وتكدح لأجلها الطبقة الشغيلة كما يقال، ويتحجج في تعطيلها والتضييق عليها، أرباب العمل والمؤسسات العملاقة، هي في الواقع نتائج لواجبات تقوم بها هذه الجهة أو تلك، وليست حقوق تنال بمجرد المفاوضات والاتفاقات الثنائية والثلاثية والرباعية…إلخ

وذلك مقرر في طبيعة العلاقات الإنسانية وتفاعلها مع الوجود، أفرادا وجماعات، فلم يرو التاريخ ان مزارعا مثلا، حصد من غير أن يحرث ويزرع ويسقي، كما لم يحك هذا التاريخ عن شعب وصل إلى مستوى معين من الرقي، ولم يدفع في سبيل ذلك جهدا ووقتا ومالا؛ بل وشهداء ومعطوبين، وهو مقرر أيضا في الشرائع السماوية، حيث لم يرو أن شريعة وعدت بعطاءات من غير إيمان بالله وطاعة للرسل وقيام بالعمل الصالح، ولم ينقل عن دولة ضمنت لمواطنيها مكاسب من غير أن يقوموا بواجبات معينة مادية ومعنوية.. إلا ما كان من الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي تعد بما لا تملك، وتعطي الأرقام والهياكل بلا مضامين، وتمضغ الكلام مضغا، بسبب ما تتمتع به من “جهل وجاهلية”، وإذا جد الجد وسقطت الأقنعة، تحججت بالكارثة والزلزال وسعر البترول والغاز الذي نزل في البورصة وغير ذلك من الطوارئ.

فالمفترض في المجتمعات، ان أفرادها وجماعاتها، يقومون بواجباتهم في العمل، آداء لواجب حاجة الجماعة وطلبا للرزق، ويدفعون ما عليهم من ضرائب، ويحيطون حياتهم بقيم أخلاقية وسلوكات وأعراف إجتماعية، حرصا على سلامة علاقاتهم ببعضهم البعض، واجتهادا في تسييج هذه العلاقات بأجواء نفسية تساعد على الطمانينة واستمرار الشعور بالسكينة وبقاء الأمل، فيما بينهم وبين مؤسسات المجتمع، فتكون الحقوق بعد كل ذلك، بمثابة النتيجة الطبيعية لما بذل من جهد وفعل سابقين، بما في ذلك الأجور التي تبدو وكأنها هي الأصل، والضمانات الإجتماعية وردود الأفعال المنتجة رسميا وشعبيا.

تلك هي العلاقة بين الحق والواجب بأبسط معانيها، ولكن الخلل يبدأ عندما يكون هناك تقصير ما في الواجبات، أي أن جهة ما تقصر في أداء الواجب، فيتسبب ذلك في حرمان جهة ما أخرى، من الوصول إلى حقوقها، فيقع الخلل.

إن التقصير في واجب إجتماعي ما، في جهة ما، يتسبب حتما في ضياع حق في جهة ما؛ لأن الأصل في العلاقات الإنسانية رسميا وشعبيا، مبنية على التوازن بين الحقوق والواجبات..، وكما قال بن نبي رحمه الله “العمل واجب على كل ساعد ولقمة العيش لكل فم”، وفي حالات استثنائية، لسبب من الأسباب، قد يتخلف المجتمع او بعضه عن القيام بواجب ما، كأن يقصر العامل في العمل، أو تعجز اللقمة على الوصول إلى فم صاحبها، فإن المؤسسات تتدارك الأمر عن طريق الخدمة الاجتماعية، [عبر التعاون في الجمعيات والأسر والقبائل..]. ولكن ذلك استثناء وليس قاعدة، اما القاعدة الأصيلة فإن الحق لا ينال إلا بواجبات تبذل،  والواجبات عندما تبذل فإنها تثمر حقوقا.

أما ما تعيشه مجتمعاتنا العربية والإسلامية، من خلل اجتماعي سياسي اقتصادي، فهو على خلاف القاعدة، حيث أن إيمان الشعوب بضرورة القيام بالواجب غائبة تماما؛ بل ربما بلغ به اليأس أن ما يقوم به من جهد، سيضيع بين أيدي المفسدين، أو اعتقد ان الحقوق لا علاقة لها بهذا الواجب وإنما هي في المكان الفلاني.., وهذا ما جعل المطالبة بالحقوق أكثر حضورا، من مراجعة مستوى الواجب أهو في المستوى الذي يضمن الحقوق ام دونه؟

لا شك ان هذا الواقع قد صنعته الأنظمة الاستبدادية، التي لا تحرص على تعليم شعوبها، ورفع مستواها، إلى حد الرقابة والمحاسبة؛ لأنها لا تريد لهذه الشعوب ان تشاركها في تسيير مؤسسات البلاد، ومن ثم لا تشعرها بالمسؤولية، إلا عندما تتورط وتغرق في الهزائم والمآسي والاضطرابات..، عندئذ يمكن ان تخاطب هذه الأنظمة شعوبها بأن عليها أن تتحمل مسؤوليتها، وعندها لا يمكن ان تستجيب، وإذا استجابت إنما تستجيب بمقدار وبحذر، كما وقع في العراق حيث سقط النظام على اليد العدو ولم يجد النظام من يحميه او يدافع عنه؛ لأنه نظام أراد ان يصنع من شعبه عبيدا، ولم يحرص على صناعة المسؤولين، وأراد يهيء متسولين للحقوق، لا مجتهدين يقومون بالواجب بلا إذن.

ويضاف إلى هذه الأنظمة الاستبدادية، حرص الغرب المنافق على تكريس هذه المآسي والفهوم العاجزة، عندما أشاع فينا اهمية احترام حقوق الإنسان، بمعزل عن الواجبات التي ينبغي أن يقوم بها هذا الإنسان، وكأن الغرب يريد ان يقول لنا أنتم لا واجب عليكم، لأن واجباتكم قد قام بها حكامكم، فما عليكم إلا ان تطالبوا بها، وما على حكامكم إلا الإستجابة، وإذا منعوكم سنتدخل للحفاظ على حقوقكم التي أقرتها المواثيق الدولية.

هكذا تساق الشعوب العربية والإسلامية بكل وتستدرج وتجر إلى مسالخها، وتهيكل ضمن حِراكات قِوامها المطالبة بالحقوق المعزولة عن الواجبات.

وهذا المنطق قد مدد في عمر الاستعمار الذي لا يزال يشعرنا فإنه المتفضل علينا بالكرامة والحضارة والعدل والحرية، وقذف هذا المعنى في روع “حكامنا البواسل”، فأشعرونا بأنهم المتفضلون علينا بالحياة والعيش ونيل الحقوق، فكانت النتيجة اننا دائما على غير وفاق مع حكامنا؛ لأننا نريد أن نعيش كراما انطلاقا من واجبات نقوم بها، وهم يريدون ان يقولوا لنا إن ما تقومون به لا يكفي لنيلكم حقوقكم الواجبة لكم، والغرب حريص على بقاء هذا النزاع الذي  كان يمكن أن نتخلص منه لو ان حكامنا اهتدوا إلى ان الحقوق والواجبات صنوا الحياة والاستقرار.

إن تجربة للشعب الجزائري، في المدن والقرى الداخلية، التي تعتمد العرف في معاملاتها، كانت خلال ما يقارب الثلاثة عقود 1962/1992، الأنجح على الإطلاق في الاستقرار الاجتماعي؛ لأنها لم تمارس المواطنة بمنطق النظام السياسي، الذي أعفى الناس من التفكير في واقعهم ومستقبلهم، وفي واقع الدولة ومستقبلها..، وإنما كانت تمارس واجباتها بمنطق غريزة حب البقاء، وتوظيف العرف الأسري والاجتماعي، في قيامه بواجباته ونيله لحقوقه، لأن هذه المناطق التي حرمها النظام خلال العقدين الولين من الاستقلال من الكثير من ميزات المدينة وما لها من مميزات، بسبب مركزية الإدارة، جعلها لا تنتظر من النظام السياسي الاستجابة لحاجياتها. 

لا شك ان النقاش سيبقى مفتوحا، إلى ما لا نهاية له من الزمن بسبب تعقيداته، لا سيما في البحث عن الواجبات الأساسية التي ضيعت الحقوق، أهي في القمة ام في القاعدة؟ ومن أين تكون البداية من القمة ام القاعدة؟ ومن يعلق الجرس أفي القمة هو ام في القاعدة؟ وخاصة أن الاستبداد القائم في عالمنا الإسلامي، يشعر بأن الشعوب قد قامت بواجبها ولكن النظم هي التي ضيعت هذه الواجبات فضاعت معها الحقوق..

مقالات ذات صلة