الوجه البشع للإعلام.. الالتزام المهني والواجب الإنساني
من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى سوريا، نفس القصص، نفس الشغف بالمهنة، نفس البدايات، لكنها ليست دائما نفس النهايات، فأبطال الحروب لا يعودون دائما، هم شهود الظلال الخفية وجنود الخفاء، هم الذين ينقلون الواقع بلا تجميل، لكنهم عادة يعانون في صمت عندما يقعون في مفترق الطرق بين لحظة الوفاء للمهنة والحفاظ على الإنسانية، هم مراسلو الحروب والمصورون الصحفيون في أسوأ لحظاتهم المهنية والإنسانية، هم الذين يصنعون الأضواء لغيرهم وينسون أن يسلطوا بعض تلك الأضواء على دواخلهم.
يعري فيلم “الحي يروح” للتونسي محمد أمين بوخريص الواقع الحساس الذي يعيشه مراسلو الحروب في لحظاتهم الفارقة في تلك اللحظات المتأرجحة بين عالمين، لحظتها لا يهم لا الدين و لا اللغة ولا البلد، تهم فقط لحظة الحقيقة.
يعتمد الفيلم “الحي يروح” على شهادة خمسة صحفيين من مراسلي الحروب، الفرنسي ريمي أوشيك الذي فقد في الجبهة السورية ونيكولا غاريكا الذي راح هو الآخر ضحية حرب وشهادة كل من مراسل رويتر الجزائري نسيم بومزار والفلسطيني إياد عواد والمغربي البلجيكي أحمد بعبدو الذين قدموا الشهادات الحية في لحظاتها الأولى.
بدون رتوش ولا رقابة ولا رموز، يفتح المخرج محمد أمين بوخريص العلبة السرية لمهنيي الصحافة وخاصة مراسلي الحروب، ويذهب إلى ما وراء الكاميرا والصورة.
الجميل في فيلم “الحي يروح” هو التركيز على اللمسة الإنسانية في العمل وتقديم الصور الحية في حالاتها الأولية والحساسية الفنية التي نقل بها المخرج شهادات زملائه في المهنة أو المحنة.
يذهب فيلم “الحي أروح” إلى ما وراء العمل اليومي للصحفيين، يلمس تلك المساحة الهشة القابعة خلف الذات “الخوف شيء مشروع، بل يجب أن تخاف، لأنه جزء من حساسيتك الإنسانية، وعندما تفقد حساسيتك عليك أن تغير المهنة“، هكذا قال نسيم الذي ينسى لحظة الخلود إلى صوره كل ما مر به من صعاب، الكاميرا هي سلاح الحرب، وأسوأ شيء أن تتحول أنت إلى جزء من الحدث، يقول أحد الشهود، الصحفي أيضا إنسان يريد لو كان قدره مختلفا “كنت أرغب مثلا في تصوير عرض أزياء وليس الدبابات” قال المصور الفلسطيني وهو يتوقف بفاصل من الدموع التي كان نسيم متحكما فيها وهو يسرد معايشته لكوابيس شهور الحرب التي عايشها في ليبيا وسوريا وهو أعزل من كاميراته وحقيبة سفره التي أنقدته يوما عندما ردت عليه رصاصة طائشة” أخطأت طريقها بالصدفة.
الرصاصة التي أخطأت نسيم لم تخطئ ريمي ولا صديقه الذي صور لحظة رحيله نكولا غاريكا . ما الذي يدفع سينمائي فرنسي لأن يموت في سوريا؟ ربما الإجابة على السؤال تبرر الجنون الذي يدفع بالصحفيين للمغامرة.
المخرج بوخريص: يصعب الجمع بين المهنية والإنسانية لمراسلي الحروب
وقال مخرج “الحي يروح” أن فيلمه يطرح المعادلة الصعبة المتعلقة بالجمع بين المهنية وإنسانية الصحفي في بعض المواقف، وهي مهمة صعبة جدا بالسنة لمراسلي الحروب.
الفيلم الذي عرض في أكثر من 30 مهرجانا دوليا وحاز على أكثر من 15 جائزة، واختارته جمعية النقاد العرب في قائمة أفضل عشرة أفلام عربية، وطاف بالقارات الخمس، قال مخرجه أنه رسالة لتكريم الجندي المجهول الذي يخاطر بإنسانيته من أجل لحظة حقيقة.
من جهة أخرى، قال أمين بوخريص أنه بصدد الإعداد لفيلم روائي طويل تدور أحداثه حول وقوع انفجار في ليلة رأس السنة في تونس، يجمع من خلاله بين الحب والحرب، وبذلك يدخل بوخريص ثاني تجربة له في الفيلم الطويل بعد تجربتين في القصير.