الرأي

الوحدة منهج الأئمة والعلماء.. والتفرقة سبيل الفاسدين والجهلة

صالح عوض
  • 1922
  • 0

إن التفرقة بين الناس بأي أداة كانت قومية أو طائفية أو دينية أو طبقية، إنما هي سبيل أولئك الذين لا يتعايشون إلا في الصراعات والتناقضات، أما المنهج القرآني فهو: “تعالوا إلى كلمة سواء”، و”تعاونوا على البر والتقوى” و”وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين”.. “والصلح خير”.. “وإصلاح ذات البين”.. “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”.. “الحكمة والموعظة الحسنة”..

في هذا الموضع من الحديث المتواصل عن الخلافة الراشدة، أسرع إلى القول إن المراد من الحديث عن الخلافة الراشدة؛ أمران في آن واحد؛ أولا: أن يُبرز السمات العامة في الخلافة الراشدة وأن يميزها عن سواها من ملك عضوض وحكم بالجبر وأن ينفي أي مرجعية من الإسلام لتوريث الحكم وللسطو على مال الأمة.. بمعنى واضح أراد أن يثبت أن عصبية الإيمان وأهل الحل والعقد في الأمة هم قلب حركة المجتمع وصناع قراره وأن الأمة صاحبة الأمر.. وثانيا: أن ينفي عن الجميع مبررات التنازع في موضوع الخلافة الراشدة..

وهنا لا بد من الإعلان بوضوح عن مواقف الأئمة والعلماء من وحدة الأمة ومرجعية وحدتها.. فعلماء الشيعة المعتمدون وعلماء السنة المراجع رأوا في أتباع المذهبين الكبيرين وسواهما من المذاهب الأخرى كالإباضية والزيدية والظاهرية أخوة دين ورسالة تجمعهم الأصول.

 وفي هذا المجال، انبرى كثيرٌ من علماء الشيعة لتوضيح أن الوحدة حاصلة بين المسلمين في الأصول وأن ما بينهم من اختلافات لا يُخرج أحدهم من الملة، فأشاروا بجلاء إلى قيمة الصحابة الكبار وأبدوا احتراما كبيرا لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، كيف لا والكلام متواتر للإمام جعفر الصادق وهو يدافع عنهما بكل بسالة.. وتقدم علماء الشيعة دفاعا عن أمهات المؤمنين لاسيما السيدة عائشة بنت الصديق رضوان الله عليهما، ومن العلماء الشيعة الكبار والمراجع العليا في الزمن المعاصر فضل الله وباقر الصدر ومحمد الصدر والحائري والصرخي ومطهري وخامنئي ومنتظري وخميني والزنجاني والشيرازي وبهشتي وكاشاني والوائلي والقمي والبروجردي.. وكل واحد من هؤلاء وسواهم كثير اتفقوا على الاحترام والتقدير لصحابة رسول الله والخلفاء الراشدين والذود عن امهات المؤمنين وتصدوا للغلاة الجهلة ونبهوا للمخاطر التي تلحق بالأمة جراء التفرقة، كما فندوا كثيرا من الروايات والأفهام المغلوطة تلك التي تكرس حالة الانطواء والعزلة والعداوات الغبية.. وفي مقابل ذلك جاء علماء وأئمة اهل السنة يوضحون حقيقة الوحدة الإسلامية:

السيد محمد رشيد رضا (المحدّث السلفي) قال: (وقد صرحوا ـ يقصد أهل السنة ـ بصحة إيمان الشيعة، لأن الخلاف معهم في مسائل لا يتعلق بها كفر ولا إيمان، فالشيعي مسلم، له أن يتزوج بأي مسلمة. وإذا نظرنا إلى ما أصاب المسلمين من التأخير والضعف بسبب العداوة المذهبية، وأننا في أشد الحاجة إلى التآلف والتعاطف والاتحاد يتبين لنا أن مصاهرة المخالِف في المذهب ضرورية).

الأستاذ أحمد بك المصري، استاذ شلتوت وأبي زهرة: “والشيعة الإمامية مسلمون، يؤمنون بالله ورسوله وبالقرآن وبكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلموفي الشيعة الإمامية قديما وحديثا فقهاء عظام جدا وعلماء في كل علم وفن، وهم عميقو التفكير، واسعو الاطلاع، ومؤلفاتهم تعدّ بمئات الألوف، وقد اطلعت على الكثير منها“.

الإمام الأكبر شيخ الأزهر محمود شلتوت:  إن مذهب الجعفرية، المعروف، مذهب يجوز التعبد به شرعا، كسائر مذاهب أهل السنة“. 

شيخ الأزهر الدكتور محمد محمد الفحام:

ورحم الله الشيخ شلتوت الذي التفت إلى هذا المعنى الكريم، فخلد في فتواه الصريحة الشجاعة، حيث قال ما مضمونه: بجواز العمل بمذهب الشيعة الإمامية، فلا أشك أنه أفتى فتوى مبنية على أساس في اعتقادي“.

الشيخ محمد الغزالي: “وأعتقد أن فتوى الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت، قطعت شوطا واسعا في هذا السبيل.. وهذه الفتوى في نظري، بداية الطريق وأول العمل“.. “إن الشيعة يؤمنون برسالة محمد، ويرون شرف علي في انتمائه إلى هذا الرسول، وفي استمساكه بسنته، وهم كسائر المسلمين، لا يرون بشرا في الأوّلين ولا في الآخرين أعظم من الصادق الأمين“.

عبد الرحمن النجّار مدير المساجد بالقاهرة: فتوى الشيخ شلتوت نفتي بها الآن حينما نسأل بلا تقييد بالمذاهب الأربعة والشيخ شلتوت إمام مجتهد رأيه صادف عين الحق. لماذا نقتصر في تفكيرنا وفتاوانا على مذاهب معينة وكلهم مجتهدون؟“.

الدكتور مصطفى الرافعي: “هما المذهبانالإمامية والزيديةالوحيدان من مذاهب الشيعة اللذان يلتقيان مع مذاهب أهل السنة ويصح التعبد وفق أحكامهما. ولست أرى ما يمنع من اعتماد المذهب الجعفري، إلى جانب المذاهب الأربعة“.

الإمام حسن البنا: “اعلموا أن أهل السنة والشيعة مسلمون، تجمعهم كلمة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا أصل العقيدة، والسنة والشيعة فيه سواء وعليه التقاؤهم، أما الخلاف بينهما فهو في أمور من الممكن التقريب فيها بينهما“.

الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: “لا شك أن الشيعة فرقة إسلامية.. ولا شك أنها في كل ما تقول تتعلق بنصوص قرآنية أو أحاديث منسوبة إلى النبي.. وهم يتوددون إلى من يجاورونهم من السنّيين ولا ينافرونهم“..

وكلام هؤلاء السادة من علماء الأمة يمتد ليشمل علماء كباراً كثراً على رأسهم طاهر بن عاشور والعلامة أبو الاعلى المودودي ومصطفى السباعي الذي له الموقف نفسه.

هذا موقف علماء الأمة الدعاة إلى سبيل الإسلام المحمدي المؤلفين للصفوف والمصلحين لذات البين.. فهل بعد هذا الموقف المبين يظل متسع من وقت للاستماع لمن يزرع الفتن ويفسد ذات البين وينفر أبناء الأمة من بعضهم؟

في المحطة القادمة أحاول الإجابة على سؤال ماذا علينا بعد الخلافة الراشدة وقد أصبحت إرثنا جميعا؟.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة