الوردة التي هزمت السيف
الوردة التي هزمت السيف، هو عنوان مخطوط لي لم يُنشر، كتبته في أجواء انتفاضة الحجارة عام 1987، حيث عالجت فيه نظرة أدباء الاستيطان الفرنسي في الجزائر والصهيوني اليهودي في فلسطين إلى الأطفال الجزائريين والفلسطينيين، تذكرته هذه الايام وكلنا يعيش انتفاضة ثالثة للأطفال الفلسطينين، وسمعت كغيري من الناس، خطاب نتنياهو أمام الكنيست، وقد عجبت لهذا النازي الهتلري، وهو يقول “الفلسطينيون أعداؤنا لم يتعلموا منذ مئة عام أن إسرائيل لا يهزمها الإرهاب”، نعم عجبت لهذا الأعمى كيف لا يفهم ولا يتعلم من حقائق التاريخ. مثله مثل المستوطنين الفرنسيين، الذين هزمهم أطفال الجزائر بعد قرن وثلث القرن من الاحتلال والإلغاء.
شخصيا لديّ الكثير من الشكوك في امتلاك نتنياهو عقلا سياسيا يفكر فيه؛ وهو في ذلك مثله مثل الطبقة الحزبية في إسرائيل والحركة الصهيونية، فهو وسائر الطبقة لم يجيبوا عن سؤال: لماذا لم ينهزم الفلسطينيون طوال مئة عام من الحروب رغم أنهم:
1تمت خيانتهم من قبل العثمانيين، حيث سلم والي الشام جمال السفاح، وهو بين أحضان عشيقته في القدس، 20 ألف دونم من الارض للصهاينة ليبنوا عليها مدينة تل أبيب.
2-خانهم الحلفاء باتفاقية سايكس بيكو المعروفة من جملة خياناتهم للعرب.
3-خانهم ملوك العرب جميعا من فيصل الأول وابنه غازي وحفيده فيصل الثاني وعبد الله بن الحسين وحفيده الحسين بن طلال وملوك آل سعود وأئمة أسرة حميد الدين في اليمن… وملوك العرب هم الذين طلبوا من الفلسطينيين وقف ثورة 1936، وهم الذين تقاسموا الأرض الفلسطينية عام 1948، ذلك أن الصهيونية والدول الكبرى أسست هذه الانظمة العربية لحماية المشروع الصهيوني، قبل أن يبدأ، وحين بدأت قامت بمهمتها أكثر مما طُلب منها؛ فالعبد اكثر قساوة من سيده.
4-وحين هجّر الفلسطينيون إلى الدول العربية، كما قال بن غوريون “الكبار يموتون والصغار ينسون”، لم يسترح الملوك العرب على عروشهم يوما واحدا، فمنهم من قتل داخل المسجد الاقصى كعبد الله بن الحسين، ومن سُحل في شوارع بغداد كفيصل الثاني، اما فاروق مصر، فقد مات في ايطاليا في إحدى الخمارات كما يموت ”الكلوشار”.
صحيح أن الدول الكبرى بلا أخلاق، وأن الحكام العرب هم حثالات الأمة، ولكن الصحيح أيضا ان الأطفال الفلسطينيين يبرهنون على أن الوردة ها هي تهزم السيف، ولعل الدليل البسيط، تلك اللقطة العابرة التي ظهر فيها أطفال الأقصى يحملون العلم الجزائري، ذلك العلم الذي حمله أطفال الجزائر ذات يوم.
إذن من هو الذي لم يتعلم الدرس طوال مئة عام؟
والآن: من الذي لم يتعلم أن الوردة يمكن أن تهزم السيف؟
العقل السياسي الفلسطيني سواء كان سلطة فلسطينية او فصائل سياسية، يتجه نحو المناورة السياسية والعمل الديبلوماسي في المحافل الدولية، وهو يعتقد أنه طريق يوصل إلى الدولة الفلسطينية في حدود 1967، بينما تعتقد الصهيونية وعقلها السياسي ومنه نتنياهو، أن ذلك الطريق في نهايته الخندق الذي تدفن فيه.
لكن السؤال هو: هل جاءت السلطة الفلسطينية وأوسلو ورقة ميلادها من العقل السياسي الفلسطيني والعربي؟
الإجابة لا .. بلإنها جاءت من العقل الجمعي الفلسطيني والشعبي العربي، جاءت من انتفاضة ديسمبر 1987 بالتحديد.
واليوم هذا هو العقل الجمعي الفلسطيني وبأطفال أراد بلير والدول المانحة إغراقهم بالشؤون اليومية والاستهلاك، وإبعادهم عن الشعور الوطني والحياة الجدية، وحتى الشعور الديني، ولكن ها هم يجبرون العقل السياسي الصهيوني على فصل القدس الشرقية بالمكعبات الاسمنتية عن القدس الغربية، وها هم يثيرون الرعب في أوساط المستوطنين، بل إنهم ألغوا الجيش الإسرائيلي، فقد:
أ- حوّلوه إلى شرطة مرور، فأسلحته النووية والكيماوية والجرثومية ودباباته وطائراته تتحول إلى خردة.
ب- أقرّ هذا الجيش والعقل السياسي الصهيوني أنه غير قادر على حماية مستوطنيه، فطلب منهم أن يحملوا السلاح دفاعا عن أنفسهم، وهو يعلم أنهم عصابات متنازعة فيما بينهم، ولن تمر سوى بضعة أشهر حتى يستعملوا هذا السلاح ضد بعضهم بعضا.
1- ألا يرى نتنياهو إن تلاحم الفلسطينيين في ما يسمى إسرائيل مع أهلهم في القدس والضفة والقطاع، هو علامة من علامات فشل المشروع الصهيوني والدولة الإسرائيلية نفسها؟
2- ألا يرى أن القضية الفلسطينية بدأت تفرض نفسها من جديد عربيا وإسلاميا ودوليا؟
3- ألا يرى الاعمى نتنياهو أن العقل الجمعي الفلسطيني ينتج -رغم قسوة الاحتلال- أطفالا يفرضون أنفسهم على العقل السياسي، بل وينقذونه من المآزق والمطبات التي يتورط فيه في بعض المراحل، وهذا ما لم يظهر على الحركة الصهيونية، فكل الأطفال الإسرائيليين يشبعون بالوحشية والخوف، كما أظهرت دراسات أدب الأطفال الصهيوني والوقائع التي تعيشها الأرض الفلسطينية.
ثم ألا يرى نتنياهو أن الأطفال الفلسطينيين لم يقتلوا طفلا صهيونيا، ولم يقتحموا كنيسا، ولم يقطعوا شجرة، فمن هو الارهابي يا تري؟
صحيح أن الدول الكبرى بلا أخلاق، وأن الحكام العرب هم حثالات الأمة، ولكن الصحيح أيضا أن الأطفال الفلسطينيين يبرهنون على أن الوردة ها هي تهزم السيف، ولعل الدليل البسيط تلك اللقطة العابرة التي ظهر فيها أطفال الاقصى يحملون العلم الجزائري، ذلك العلم الذي حمله أطفال الجزائر ذات يوم.
فهل يمكن للعقل السياسي أن يفهم؟
لا أعتقد. لأن العقل اليهودي أناني أصلا وزادته الصهيونية، باعتبارها أداة استعمارية انغلاقا، والانغلاق طريق النهاية.