الرأي

اليد المشلولة

في الوقت الذي تشخص أبصار وأذهان الجزائريين، لمتابعة أقدام منتخب الكرة في غينيا الاستوائية، في رحلة البحث عن لقب إفريقيّ ثان، تُشل أيدي منتخب الكرة الصغيرة، الذي حقق انتكاسة، تترجم الانهيار الذي تعرفه الجزائر في مجالات حيوية، كانت لها فيها الغلبة إلى زمن قريب، وإذا كنا ـ ونحن على حق ـ نجلد الدولة في كل إخفاق، ونحمّلّها لوحدها الأسباب، فإن وزير الشباب والرياضة أبرق رسالة حسرة شديدة اللهجة، واعتبر ما حققه منتخب الجزائر في بطولة العالم لكرة اليد بالمخيّب للآمال، في الوقت الذي لم يشغل هذا الفشل الرأي العام شعبيا وإعلاميا، وبقيت القدم أهم من اليد، بل ومن العقل أيضا.

لقد كانت الجزائر منذ أكثر من ثلاثة عقود، مدرسة عالمية في لعبة كرة اليد، التي حصدت فيها سبعة ألقاب إفريقية، من بينها لقبان تم تحقيقهما في مصر وفي تونس، ولم تكن بعيدة عن القمة العالمية إلا ببضع ومضات، وفي زمن المال الكثير وإمكانية الاستعانة بأبناء المهجر وانتداب عمالقة التدريب، وإجراء البطولة في بلد عربي، توقف كل شيء، وقدم المنتخب الجزائري مباريات أشعرتنا بالخجل الشديد، وتأكدنا من نهاية الرياضة الجزائرية، بعد التراجع الرهيب لرياضات المصارعة اليابانية والملاكمة وألعاب القوى، التي منحت الجزائر إحدى عشر ميدالية من كل المعادن في تاريخ مشاركاتها في الألعاب الأولمبية، لأن كرة القدم لم ترتق بعد للقمة الإفريقية .

..فالجزائر، لم تحقق سوى لقب إفريقي واحد على أرضها، ولم تحقق في كأس العالم ما حققته السنغال وغانا والكامرون، الذين بلغوا الدور ربع النهائي، بينما تضيّع الجزائر بسهولة كنزها الرياضي الأكبر الذي كان يمنحها الألقاب، ليس بسبب محدودية المدرب الوطني، ونقص حماس اللاعبين، وانعدام التحضير الاحترافي الجيد، وإنما بسبب فشل منظومة عامة، ضمن نظام لم يشلّ اليد فقط، وإنما نسف الابتسامة من شفاه الشباب الذين كانوا يسعدون بانتصارات المنتخب الجزائري لكرة اليد، وبمشاركاته المشرفة في البطولات العالمية، فمرّ طوفان المال، الذي منّت به أسواق النفط، من دون أن تدعّم الجزائر المجالات التي نجحت فيها على مدار عقود، بينما بلغ منتخب قطر البلد الذي لم يكن يلعب كرة اليد إطلاقا في زمن التألق الجزائري، المستوى العالمي، رفقة تونس ومصر.

وإذا كنا نشعر بالحسرة ونحن نشاهد حاويات الطعام واللباس والعطور والدواء وقطع الغيار، تدخل بالقناطير المقنطرة إلى الجزائر، فإن ما يحزّ في أنفسنا، هو أن نرى الأشياء الجميلة تذبل ببطء، ومنها لعبة كرة اليد التي كانت خطط مدرستها الكروية تُدرّس في البلاد الأوروبية، وللأسف فإننا صحونا الآن على برميل النفط وهو يدخل سعر ما تحت الخمسين دولارا، من دون دڤلة نور ولا زيت الزيتون ولا البرتقال الذي اشتهرت به الجزائر، ولا سياحة صحراوية وسهبية جلبت بها أكبر رالي في العالم من باريس إلى داكار، ولا حتى كرة اليد، الرياضة التي كانت فيها الجزائر الرقم الأول في العالم العربي وإفريقيا.

مقالات ذات صلة