الرأي

اليوم ميلادك الجديد

سلطان بركاني
  • 513
  • 1

كثير هم أولئك الذين عاشوا في هذه الدّنيا عقودا من أعمارهم بعيدا عن طريق الحقّ، بين شكّ وحيرة وهَمّ وخوف، ثمّ كانت اللّحظة الفارقة التي اهتدوا فيها إلى الوجهة الصحيحة وظفروا بما كانوا يبحثون عنه، ووجدوا برد اليقين وراحة البال، وأصبح الواحد منهم يحسّ بأنّه ولد من جديد واستأنف عمرا جديدا هو العمر الحقيقيّ الذي يشعر فيه بقيمته كإنسان مكرّم له وجهة واضحة وهدف محدّد؛ يعرف من أين جاء ولماذا هو في هذه الدّنيا وإلى أين المآب والمصير؟

راحة البال وطمأنينة القلب وهدأة الرّوح، عطايا يجدها كلّ إنسان هدي إلى الإسلام بعد رحلة الشكّ والحيرة، ويجدها –كذلك- كلّ مسلم وُفّق للتّوبة والاستقامة، بعد رحلة الغفلة والضّياع؛ عطايا يحسّ معها التّائب أنّه ولد أو بعث من جديد، ومنح فرصة أخرى ليعيش عمرا جديدا وحياة مختلفة.. ينظر إلى عمره الذي مضى كأنّه موت بليل مظلم حالك، لسان حاله ينطق قائلا:

اليوم ميلادي الجديد وما مضـى * موتٌ بُليت به بليل داج

أنا قد سريت إلى الهداية عارجـاً * يا حُسن ذا الإسراءِ والمعراج.

إذا كان العلماء والعباقرة والفاعلون في هذا العالم لا يقيسون أعمارهم بما هو مدوّن في بطاقات الأحوال الشخصية، إنّما بالأوقات التي سخّروها لتحقيق الإنجازات، فكذلك العبد المؤمن، لا يقيس عمره بِعدد السنين التي قضاها على ظهر هذه الأرض، إنّما بتلك التي سار فيها على طريق الهداية وقدّم فيها أعمالا صالحة ينتفِع وينفَع بها في الدّنيا ويرجو ثوابها في الآخرة، يقول الإمام العَلم سفيان بن عيينة -رحمه الله-: “يا ابن آدم، إنّما لك من عمرك ما أطعت الله فيه، فأمّا ما عصيته فيه، فلا تعدّه لك عمرا” (الزهد للبيهقي: 01/ 241).

العمر الحقيقيّ يجعل صاحبه يترك أثرا واضحا في هذه الدّنيا بعد رحيله عنها، يُذكر به وترفع له الدّعوات بقدر نفعه؛ فكم من أناس عاشوا في هذه الدّنيا عقودا كثيرة، لكنّ أعمارهم كانت هباءً، لم يتركوا أثرا ولا ذكرا حسنا، بل ربّما تركوا جروحا وندوبا ومظالمَ وآثارا سيّئة تجعل أعمارهم السيّئة تمتدّ إلى يوم الحساب! وكم من أناس عاشوا أعمارا قصيرة وعقودا قليلة في هذه الدّنيا، لكنّهم تركوا من خلفهم آثارا حسنة: علما نافعا، ذرية طيّبة، صدقات جارية، قلوبا وخواطر جبروها، بطونا جائعة أطعموها، ومهما غابت شخوصهم عن النّاس، فهم أحياء في قلوب الأحياء يخصّونهم من دعواتهم الطيّبة ويذكرونهم بأعمالهم الصّالحة، وكأنّ أعمارهم لا تزال ممتدّة وأعمالهم لا تزال تدرّ الحسنات على موازينهم، وصدق الشّاعر إذ يقول:

قد مات قوم وماتت مكارمهم * وعاش قوم وهم في النّاس أموات.

رمضان فرصة سانحة، ليستأنف العبد المؤمن عمرا جديدا في حياته، يختلف عن عمره الذي مضى بأيامه ولياليه التي رحلت محمّلة بالتقصير والتفريط في جنب الله.. العمر الذي انقضى في غير طاعة الله خسارة لصاحبه، لكنّها خسارة تعوّض بعون الله، متى ما رفع العبد الغشاوة عن بصره وقلبه، وأقبل بجوارحه وجوانحه يرجو الله والدّار الآخرة، فالمواسم والأوقات التي يمكن العبدَ أن يعوّض فيها ما فاته كثيرة ومبذولة بفضل الله، ولعلّ سَنة واحدة يحياها العبد في كنف رضوان الله، يعوّض فيها عقودا ضائعة من عمره، وقد سجّلت كتب السّير أنّ سعد بن معاذ –رضي الله عنه- عاش مسلما ستّ سنوات فقط، لكنّه قدّم من الأعمال ما جعل ملائكة الرّحمن تستبشر بروحه عند موته وتشيّعه.. بل لعلّ شهرا واحدا يعيش العبد المؤمن أيامه ولياليه مقبلا على الله راغبا فيما عنده، يعوّض به عقودا كاملة من عمره، كيف لو كان هذا الشّهر هو شهر رمضان الذي تَفضُل ليلة واحدة من لياليه هي ليلة القدر 83 سنة كاملة؟!

يحتاج العبد المؤمن فقط بعد التوبة النّصوح والعزم الصّادق، إلى أن يعرف لِما بقي من أيام ولحظات عمره قدره، فيكون أشحّ به من دنانيره، يقول الحسن البصريّ رحمه الله: “أدركتُ أقوامًا كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على درهمه ودنانيره”.. هذا لا يعني أبدا أن ينقطع العبد عن الدّنيا ويعتزل النّاس، إنّما يعني أن يحرص –ما أمكنه- على لجم جوارحه عن المعاصي والمخالفات، ويجتهد في حفظ أوقاته من كثرة الملهيات، وفي احتساب كلّ عمل يعمله لإصلاح دنياه، لتكون كلّ حركاته وسكناته لله.

مقالات ذات صلة