انتخابات 2020: عزلة ولاية الفقيه!!
يدرك الشعب الإيراني أن الانتخابات لن تغير واقعا سياسيا، فهي آليات برمجية لإعادة تأهيل ذات النظام الراديكالي، المعبر عنه في “ولاية الفقيه الحاكم الجامع لشروط الفتوى والمرجعية الدينية، المجتهد في الأحكام الشرعية في زمن غيبة المهدي المنتظر، الذي ينوب عنه في قيادة الأمة وإدارة شؤونها والقيام بمهام الحكومة الإسلامية وإقامة حكم الله على الأرض” .
“ولاية الفقيه” القائمة على هذا المبدأ الغيبي، لن تؤمن بتغيير السلطة، التي تراها “تكليف إلهي”، لن تتخلى عن حمله حتى ظهور المهدي المنتظر، وما الانتخابات إلا نهج سياسي “تكتيكي” لمسايرة قوانين الحياة المدنية في عصر راهن لا تمنح السيادة إلا للشعب الذي يعبر عن إرادته باختيار حاكميه عبر صناديق الاقتراع.
الانتخابات لا تغير واقعا حاكما فرض على الشعب الإيراني منذ 40 عاما، فـ”ولاية الفقيه” أمر واقع غير قابل للتغيير، يعلي شأن الفرد الحاكم المالك بيده “العصمة” في إدارة شؤون الدين والدنيا إلى أن “يأتي أمر الله فاعله”!!.
“الولي الفقيه” لن يسلم السلطة بأدوات دنيوية، سمح باستخدامها إرضاء لتطلعات مجتمع مدني، ليس له الحق في الاعتراض على شرعية وجوده، والانتخابات حق لمن يؤمن بـ”ولاية الفقيه” فقط، فهي أحادية التوجه مهما كانت نتائجها.
مارس الشعب الإيراني لعبة الانتخابات إجراء دنيويا، على مر عقود أربعة، بفتوى دينية ملزمة “شرعا” دون أي مكسب يتوخاه عبر هذا الإلزام الديني في أداء واجب وطني للاختيار بين محافظين وإصلاحيين يتنافسون تحت عباءة الولاء المطلق لـ”الولي الفقيه” .
بعد أربعة عقود تغيرت المعطيات، وانعدم إيمان الأغلبية بجدوى الخضوع لفتوى رأت فيها استعبادا للعقل، وتكريسا للفقر والقمع والحروب والأمراض، دون أن تتبدل الوجوه أو المضامين، القمع يتصاعد، وردهات السجون اكتظت بالمقيمين فيها، والتصفيات الجسدية أضحت المشهد المعتاد .
انتخابات 21.2.2020 التي انفرد بها المتشددون، جاءت شاهدا حيا لواقع هذه المتغيرات، عزوف شعبي منقطع النظير، ومراكز الاقتراع بقيت أبوابها مفتوحة إلى منتصف الليل، لكن قلة من ولج عتباتها، إيذانا بقطيعة اتسعت مسافاتها بين الحاكم الذي ارتدى عمامة نائب “المهدي المنتظر”، والجمهور العريض الذي ينتظر ظهوره بانتهاء غيبته.
الأسطورة الغيبية فقدت تأثيرها العاطفي، والإيمان بـ”الولي الفقيه” تلاشى على نطاق واسع، ولم تستجب الأغلبية الأكبر لدعواته، وكأنها أعلنت العصيان المدني على سلطة حكم “ولايته” الجامع، والمجتهد في الأحكام الشرعية.
انهيار في أركان سلطة دينية، تعاني واجهتها السياسية من قطيعة بين الحاكم والمحكوم لم تشهدها من قبل، في ظل انتفاضة شعبية متواصلة أحرقت شواهد صنمية لرموز لم تخش العقاب من إزاحتها، وعقوبات اقتصادية عالمية خانقة عززتها عقوبات “مجموعة العمل المالي” ردا على جرائم غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
فقدت “ولاية الفقيه” كل مستلزمات بقائها، وانكشف عنها الغطاء الوقائي في موسم داء “كورونا” الذي أغلق أبواب الناخبين فعزفوا عن لقاء تقليدي يتجدد مع المتشددين.