العالم
الباحث في العلاقات الدولية بشير الجويني لـ"الشروق":

انتخاب الصالحين عبد النبي يختبر قدرة مجلس النواب الليبي على كسر الانسداد السياسي

عبد السلام سكية
  • 142
  • 0

من المبكر الحديث عن نهاية عقيلة صالح لأن التأثير السياسي لا يرتبط بالمنصب وحده

انتقال السيطرة الكاملة إلى عائلة حفتر لا يمكن حسمه

يفتح انتخاب الصالحين عبد النبي رئيسًا لمجلس النواب الليبي خلفًا لعقيلة صالح باب التساؤلات بشأن مستقبل المؤسسة التشريعية، ومدى قدرة القيادة الجديدة على تجاوز الخلافات التي رافقت المرحلة السابقة، خصوصًا في الملفات الدستورية والانتخابية والعلاقة مع بقية المؤسسات. وبينما يثير التغيير آمالًا بإعادة تحريك المسار السياسي، تظل شرعية الإجراءات التي أفضت إليه، ومواقف الأطراف المعترضة، وموازين القوى داخل المعسكر الشرقي، عوامل مؤثرة في تحديد مآلاته.

وفي ظل تعثر التسوية السياسية واستمرار الخلافات بشأن الانتخابات وتوحيد المؤسسات، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان التغيير سيقود إلى مراجعة أساليب عمل المجلس وإعادة فتح قنوات التوافق، أم سيظل محصورًا في تداول المناصب دون معالجة جذور الأزمة الليبية.

في هذا الحوار مع “الشروق”، يقرأ الباحث التونسي في العلاقات الدولية البشير الجويني دلالات انتخاب الصالحين عبد النبي، وحدود تأثيره في موازين القوى الداخلية، وفرص استئناف التفاهمات مع المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب انعكاسات المواقف الأمريكية والأممية والإقليمية على المسار السياسي الليبي.

كيف تقرؤون انتخاب الصالحين عبد النبي رئيسًا لمجلس النواب الليبي خلفًا لعقيلة صالح، بعد سنوات طويلة من تولي الأخير هذا المنصب؟

يمثل تغيير رئاسة مجلس النواب تطورًا مهمًا، بالنظر إلى دور عقيلة صالح في إدارة المؤسسة التشريعية خلال السنوات الماضية، وما ارتبط بفترة رئاسته من خلافات بشأن القوانين الانتخابية والعلاقة مع بقية المؤسسات. لكن أهمية التغيير لا تتحدد بمجرد انتقال المنصب إلى شخصية جديدة ونقصد هنا الصالحين عبد النبي وهو من قبيلة عقيلة صالح، الذي تولى رئاسة لجنة الصداقة الليبية التركية، وإنما بما قد يترتب عليه من تحول في أداء المجلس وعلاقته بمسار التسوية السياسية.

وتواجه القيادة الجديدة اختبارًا مزدوجًا يتمثل في تثبيت موقعها داخل المؤسسة التشريعية، والمساهمة في إنهاء الانسداد السياسي. وإذا لم يصاحب التغيير تقدم في الملفات الدستورية والانتخابية، فقد يظل محصورًا في إعادة ترتيب القيادة دون انعكاس ملموس على الأزمة.

هل يعني خروج عقيلة صالح من رئاسة المجلس نهاية نفوذه السياسي؟

من المبكر الحديث عن نهاية نفوذه، لأن التأثير السياسي لا يرتبط بالمنصب وحده، بل بالعلاقات والتحالفات التي تشكلت خلال سنوات توليه رئاسة المجلس. لذلك، لا تعني مغادرته المنصب بالضرورة اختفاء تأثيره في القرارات أو مواقف الأطراف التي تعاملت معه.

وفي المقابل، يتيح انتخاب رئيس جديد فرصة لإعادة تنظيم العلاقات داخل المجلس، خصوصًا إذا اتجهت القيادة الجديدة إلى تغيير أساليب العمل وفتح الملفات الخلافية. وستتضح طبيعة التحول من خلال القرارات المقبلة، ومدى قدرة الرئيس الجديد على بناء توافقات تتجاوز الانقسامات القائمة.

أثار تعديل اللائحة الداخلية للمجلس خلال جلستي بنغازي يومي 5 و6 أكتوبر جدلًا بشأن شرعيته. ما أبعاد هذا النزاع؟

يمثل الجانب القانوني نقطة أساسية في تقييم التطور الأخير، لأن شرعية القيادة الجديدة ترتبط بسلامة الإجراءات التي أفضت إلى انتخابها. ووفق المعطيات المتعلقة بالجلستين، حضر 102 نائب جلسة 5 أكتوبر، وصوّت 98 منهم على تعديل اللائحة الداخلية بما يسمح بتحديد ولاية رئيس المجلس في مدة لا تتجاوز 12 شهرًا. وفي اليوم التالي، انتُخب الصالحين عبد النبي رئيسًا للمجلس، إلى جانب طارق الأشتر نائبًا أول ومصباح دومة نائبًا ثانيًا، خلال جلسة حضرها أكثر من 110 نائب.

لكن عقيلة صالح رفض الاعتراف بشرعية جلسة تعديل اللائحة، واعتبر إجراءاتها غير رسمية وغير قانونية. وهو ما يطرح تساؤلات بشأن قواعد الدعوة إلى الجلسة، والنصاب المطلوب، وصلاحية النواب في تعديل اللائحة، ومدى احترام الإجراءات المنظمة لعمل المجلس.

وتظهر التجربة الليبية أن الخلافات القانونية قد تتحول إلى أزمات سياسية عندما تغيب المرجعية المقبولة لحسمها، أو تُستخدم الإجراءات المؤسسية لتدعيم مواقع الأطراف في الصراع على السلطة. لذلك، يتوقف احتواء الخلاف على معالجته ضمن الأطر القانونية، وتجنب فرض الأمر الواقع أو توسيع دائرة المواجهة.

كيف تقرؤون اعتراض 12 نائبًا، من بينهم نواب من المنطقة الغربية، على طريقة عقد الجلسات ومطالبتهم بعقد اجتماعات في طرابلس؟

تعكس هذه الاعتراضات خلافًا بشأن إدارة المؤسسة التشريعية ومدى مشاركة مختلف النواب في القرارات. وقد طالب النواب المعترضون بعقد جلسات في طرابلس، وأثاروا مخاوف تتعلق بالضغوط العسكرية والأمنية، وهي مسائل ترتبط بضمان استقلال العمل البرلماني.

لكن لا ينبغي تعميم موقف مجموعة من النواب على جميع ممثلي المنطقة الغربية، كما يجب التمييز بين الاعتراض على مكان انعقاد الجلسات والاعتراض على مضمون القرارات أو قانونية الإجراءات السابقة.

رحبت شخصيات من المعسكر الشرقي بالتغيير، من بينها خليفة حفتر وأسامة حماد. هل يعكس ذلك إعادة ترتيب النفوذ داخل هذا المعسكر؟

ينبغي قراءة هذه المواقف في سياق العلاقات بين المؤسسات السياسية والقوى العسكرية في شرق ليبيا، مع التمييز بين الترحيب بتغيير القيادة والاتفاق على جميع الخيارات التي قد تتخذها الرئاسة الجديدة. فالمواقف المؤيدة قد تعكس توقعات إيجابية، لكنها لا تثبت وحدها وجود توافق كامل بشأن مستقبل المجلس.

أما الحديث عن انتقال السيطرة الكاملة إلى عائلة حفتر، فلا يمكن حسمه استنادًا إلى مواقف الترحيب وحدها، بل يتطلب متابعة القرارات والتفاهمات المقبلة، ومدى تأثير مراكز النفوذ المختلفة في عمل المجلس.

هل يمكن أن يفتح انتخاب رئيس جديد صفحة مختلفة في العلاقة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة؟

يمثل تحسين العلاقة بين المؤسستين أحد الشروط المهمة لتجاوز الانسداد السياسي، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالقاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية. فقد أسهم الخلاف بينهما في إطالة أمد التعثر وصعوبة التوصل إلى تفاهمات مستقرة بشأن الاستحقاقات الوطنية.

وقد عكست اللقاءات التي جمعت رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بأعضاء من مجلس النواب رغبة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة. وفي هذا السياق، رأى أحمد همومة أن التغيير قد يساعد على إغلاق صفحة من الخلاف، بينما شدد أشرف بودوارة على أن تغيير الأشخاص لا يكفي وحده.

وتبقى قدرة القيادة الجديدة على بناء تفاهمات مع المجلس الأعلى للدولة، ومعالجة نقاط الخلاف المتعلقة بالانتخابات، المعيار الأساسي لتقييم ما إذا كان التغيير سيؤدي إلى تحسن في العلاقات بين المؤسستين.

ما فرص أن يسهم المجلس في دفع مسار لجنة «4+4» التي انطلقت محادثاتها برعاية الأمم المتحدة في أفريل 2026؟

يرتبط نجاح هذا المسار باستعداد المؤسسات الليبية للتعامل مع نتائجه وتحويلها إلى إجراءات واضحة. فقد استهدفت محادثات لجنة «4+4» معالجة المسائل الدستورية والقانونية المرتبطة بالانتخابات، بما فيها الإطار المنظم لها والمفوضية الانتخابية، وأُعلن عن نتائج للمسار في 30 أوت 2026، في إطار توجه نحو تنظيم الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز عامين.

لكن إعلان التفاهمات لا يعني بالضرورة تنفيذها، إذ يتوقف ذلك على قبول الأطراف المعنية، وتحديد المسؤوليات، ومعالجة نقاط الخلاف التي قد تعطل العملية الانتخابية. ويبرز هنا دور مجلس النواب باعتباره مؤسسة تشريعية معنية بجانب من القواعد القانونية المنظمة للاستحقاقات.

سبق أن اتفقت قيادات مؤسسية على إجراء انتخابات متزامنة في موعد أقصاه 17 فيفري 2027. هل يمكن الوفاء بهذا الالتزام؟

يتوقف ذلك على التقدم في تهيئة الشروط القانونية والسياسية والفنية اللازمة. فتحديد موعد انتخابي خطوة مهمة، لكنه لا يضمن تنظيم الاستحقاق ما لم تُحسم القواعد المنظمة له، وتُعالج الخلافات بشأن شروط الترشح وصلاحيات المؤسسات، وتتوفر ضمانات قبول النتائج.

ويستدعي تغيير رئاسة مجلس النواب متابعة موقف القيادة الجديدة من التفاهمات السابقة ومدى استعدادها لتنفيذها. كما ينبغي أن يقترن الموعد بخطة واضحة تحدد المراحل المطلوبة والمسؤوليات المؤسسية وآليات معالجة العقبات.

ولا يمكن الجزم بإجراء الانتخابات في التاريخ المحدد أو تأجيلها دون تقييم التقدم الفعلي في هذه الملفات.

يحمّل منتقدو عقيلة صالح جزءًا من المسؤولية عن تعثر الانتخابات والانقسام المؤسسي. كيف يمكن تقييم المرحلة السابقة؟

يتطلب تقييم المرحلة السابقة التمييز بين الوقائع والقرارات القابلة للتوثيق والاتهامات التي تطرحها الأطراف السياسية. فقد ربط بعض خصوم عقيلة صالح بين استمرار الأزمة ومواقف المجلس من العمليات العسكرية، بما فيها الهجوم على طرابلس عام 2019، كما أثاروا ملفات الاغتيال والاختفاء القسري، ومن بينها قضايا فريحة البركاوي وسهام سرقيوة وإبراهيم الدرسي. وتحتاج هذه الملفات إلى إسناد دقيق لكل اتهام إلى الجهة التي طرحته، دون تقديمه باعتباره مسؤولية محسومة من دون أدلة موثوقة.

ولا يمكن اختزال الأزمة الليبية في شخص واحد، لأن الانقسام نتاج عوامل داخلية وإقليمية متعددة. لكن تولي أي مسؤول منصبًا مؤثرًا يضع قراراته أمام التقييم والمساءلة. ولذلك، ينبغي أن يفضي تغيير القيادة إلى استخلاص الدروس وتحسين أداء المؤسسات، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات.

ماذا تعني خطوة إعفاء عبد الحميد الصافي من رئاسة المركز الليبي للإعلام والدراسات والاستشارات الاستراتيجية في القاهرة وتعيين عبد الله بليحق مكانه؟

يمثل القرار مؤشرًا مبكرًا على ممارسة الرئيس الجديد صلاحياته الإدارية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على طبيعة التغيير داخل المؤسسة التشريعية. فقد شمل إعفاء عبد الحميد الصافي وتعيين عبد الله بليحق، إلى جانب تجميد مؤقت للحسابات إلى حين استكمال إجراءات التسليم، وفق المعطيات الواردة بشأن القرار.

وتكمن أهمية هذه الإجراءات في ضمان انتقال المسؤوليات وفق القواعد القانونية والإدارية، وتوثيق عمليات التسليم، وتوضيح الأساس الذي استندت إليه القرارات. كما ينبغي متابعة ما إذا كانت التغييرات ستتجه إلى تطوير العمل المؤسسي والرقابي أم ستقتصر على تبديل المسؤولين.

ويظل الحكم على توجهات الرئاسة الجديدة مرتبطًا بقراراتها التشريعية ومواقفها من الملفات الكبرى، لا باستنتاج مسار كامل من قرار إداري واحد.

كيف تقرؤون الموقف الأمريكي والأممي من انتخاب القيادة الجديدة؟

يعكس الترحيب الأمريكي الذي نُقل عبر مسعد بولس، إلى جانب موقف بعثة الأمم المتحدة التي أخذت علمًا بانتخاب القيادة الجديدة وأعلنت استعدادها للعمل معها ضمن خارطة الطريق، اهتمامًا دوليًا باستمرار المسار السياسي وعدم تعطيل عمل المؤسسات.

لكن التعامل الدولي مع قيادة جديدة لا يحسم الخلافات الداخلية بشأن شرعيتها، كما أن الترحيب الخارجي لا يغني عن بناء توافق ليبي. وتظل المسؤولية الأساسية على عاتق المؤسسات المحلية، التي يتعين عليها تحويل الدعم الدولي إلى خطوات عملية باتجاه الانتخابات وتوحيد المؤسسات.

هل يمكن أن يؤثر انتخاب الصالحين عبد النبي في العلاقات الإقليمية، خصوصًا مع تركيا ومصر؟

تظل العلاقات الإقليمية عاملًا مؤثرًا في المشهد الليبي، بالنظر إلى ارتباط أطراف محلية بشبكات من المصالح والتفاهمات الخارجية. وقد تولى الصالحين عبد النبي سابقًا رئاسة لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، في وقت شهدت فيه العلاقات بين تركيا وبعض الأطراف في شرق ليبيا تطورات، من بينها اتصالات مع صدام حفتر في أنقرة.

لكن هذه الخلفية لا تعني بالضرورة أن رئاسته للمجلس ستؤدي تلقائيًا إلى تغيير التحالفات أو التوجهات الخارجية، إذ يتوقف ذلك على قرارات القيادة الجديدة ومدى قدرتها على الفصل بين التعاون الخارجي ومتطلبات التسوية الداخلية.

كما أن مصر وتركيا وبقية الأطراف الإقليمية معنية باستقرار ليبيا، رغم اختلاف مصالحها وتقديراتها. ويمكن توظيف العلاقات الإقليمية لدعم الحوار والانتخابات وتوحيد المؤسسات، شرط ألا تتحول إلى أدوات لتعميق التنافس بين الأطراف الليبية.

هل يمثل خروج عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب بداية لإنهاء الانقسام الليبي؟

لا يمكن اعتبار تغيير رئيس مجلس النواب نهاية للانقسام، لأن الأزمة ترتبط بمشكلات أعمق تشمل المرجعيات الدستورية، وتعدد المؤسسات التنفيذية، والخلاف بشأن توزيع الصلاحيات والموارد، وتأثير القوى العسكرية والتدخلات الخارجية.

لكن التغيير قد يشكل فرصة لإعادة تحريك الملفات المتعثرة، إذا اقترن بإجراءات عملية تعزز عمل المجلس، وتفتح حوارًا جديًا مع المجلس الأعلى للدولة، وتدفع نحو تسوية الخلافات القانونية المرتبطة بالانتخابات. كما يتطلب نجاح القيادة الجديدة معالجة الملفات المالية والرقابية ضمن قواعد واضحة، وضمان مشاركة النواب في العمل المؤسسي.

وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة المجلس على الانتقال من الخلاف بشأن رئاسته إلى الاتفاق على خطوات محددة لتنفيذ الاستحقاق الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز الرقابة على المال العام. أما إذا ظل التغيير محصورًا في المناصب واستمرت الخلافات نفسها، فإن الأزمة ستواصل إعادة إنتاج نفسها رغم تغير الأشخاص.

وعليه، فإن أهمية انتخاب الصالحين عبد النبي لا تكمن في كونه نهاية لمرحلة عقيلة صالح فحسب، بل في مدى إسهامه في تغيير أداء المؤسسة التشريعية وتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء الانقسام عبر مسار سياسي وقانوني واضح.

مقالات ذات صلة