انحرافٌ بأموال الشّعب!
الصّور التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي والتي تظهر مجموعة من لاعبي مولودية الجزائر وهم ينثرون الأموال على مغنية ملاه، تطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى صرف أموال الشّعب على نواد كروية تحت يافطة “الاحتراف” الذي يعني الخروج من دائرة التّمويل الحكومي للفرق الرياضية إلى التّسيير الذاتي وفق الصّيغ التعاقدية المعروفة ومعايير الجدوى الاقتصادية.
ثمّ إنّ الهدف من الرّياضة بشكل عامّ هو ترقية السلوك وتهذيب الأخلاق، فما الذي يدفع لاعبين يتلقون أجورا خيالية من أموال الشّعب –والتي تفوق ما يتقاضاه الدكاترة الجامعيون بأضعاف مضاعفة- إلى تبذيرها بهذا الاستهتار؟ وهل يكافئ ما يتلقاه هؤلاء من أموال طائلة مع الجهد المبذول، والحالُ أنّ أفضلهم لا يجد مكانا كاحتياطي في المنتخب الأول لكرة القدم؟ ولماذا تستمرُّ الشَّركات العمومية في دعم فرق رياضية على حساب فرق رياضية أخرى؟ وإذا كان الأمر يتعلق بتشجيع الرّياضة، فليكن ذلك بالتّساوي بين كل الفرق الرياضية.
ثم ألا يجدر بنا توجيه هذه الأموال إلى قطاعات أخرى مثل قطاع التّربية الذي يتوقف عليه مستقبلُنا جميعا؟ وهل يُعقل أن تُصرَف الملايير على فرق رياضية، بينما يزاول أبناؤنا في الأرياف الدّراسة في ظروف قاسية، فيما يتقاضى لاعبون مبتدئون الملايير في صفقات مشبوهة يلفّها الكثير من الغموض وتتداخل فيها المصالح والوساطات، ويواجه الأساتذة والمعلمون أوضاعا مأساوية بسبب الأجر الزّهيد الذي لا يكفي لأسبوع واحد.
قبل أيام اهتزت الجزائر كلها على وقع فضيحة الاعتداء على تسع معلمات كن في مسكن وظيفي، وقد تبيّن بعد ذلك أن غياب الحراسة شجَّع المعتدين على ارتكاب جريمتهم، فهل تدفع هذه الحادثة إلى إعادة النّظر في الطريقة التي يتم التعاملُ بها مع أهم عنصر في قطاع التّربية وهو المعلم والأستاذ، واتخاذ إجراءات جادة لتحسين وضعه المادي والمعنوي؟
نشعر بالكثير من السّعادة والفخر ونحن نرى الفريق الوطني يحوز المراتب المرموقة عالميا في ترتيب الفيفا، وهذا أمر نباركه ونشجعه، لكننا نغمر رؤوسنا في الرمال عندما تصلنا أخبارٌ عن ترتيبنا في مجال جودة التعليم والصحة وغيرها من المجالات الحيوية، ولا نحاول معرفة أسباب هذا التّقهقر والانحدار وهي بسيطة جدا.
متى نستفيق من سباتنا؟ ومتى نتوقف عن صنع تخلُّفنا بأنفسنا؟ ومتى ندرس أن كرة القدم ما هي إلا لعبة ولا يمكنها أن تبني وطنا وتربِّي أجيالا؟ ومتى نعيد ترتيب أولوياتنا بالشكل الذي يجعل الاهتمام بالأجيال الجديدة أهمَّ من أوهام التفوُّق في كرة القدم التي تحوَّلت إلى هوس وجنون؟!