الرأي

انحراف الجريمة

عمار يزلي
  • 598
  • 0

ما يظهر للعلن وينتشر اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أحداث لمظاهر عنف الأحياء، هو عنوان لأكثر من سبب وظرف، يبدأ أوَّلا من انتشار الصورة الثابتة والمتحركة عبر الصفحات ووسائل التواصل الاجتماعي المرئية، أي أنه أوَّلا نتيجة لتطور “المرئي”، لأنه ليس كل ما يحدث يصوَّر، وليستكمل هذه الأحداث وليدة اليوم، بل هي الأقدم تاريخيًّا، إن لم تكن هي المبتدأ. غير أن هذا لا يعني أن “المرئية” هي من ساهمت في انتشار العنف والانحراف والجريمة، وإن كانت لها نسبتها مثل نسب مشاهدة أفلام العنف عبر التلفزيون وشبكة الأنترنت، التي صارت تنقل هذه الصور وغيرها انطلاقا من الجيب.

انتقال الحديث عندنا قبل أكثر من ثلاثة عقود من وعن “الانحراف” و”انحراف الأحداث”، نحو “الجريمة” و”الجريمة المنظمة” ومن التوصيف القانوني لهما، من “جنح” إلى “جريمة”، له أكثر من دواعي وسبب وتبرير، يشترك فيه المجتمع بكل بنياته ومؤسساته المجتمعية والسياسية والأمنية والقانونية والتربوية والمهنية. الانتقال من انحراف الأحداث نحو الجريمة يقود اليوم إلى انحراف آخر أكثر عدوانية وقوة وانتشارا: انحراف الجريمة.

“انحراف الجريمة”، إن كان ولا بدّ أن نصوغ له توصيفا ومفهوما سوسيولوجيًّا، هي حالة من انفلات الجريمة التقليدية عن عقالها التقليدي، لتتحول كليا أو بعض منها إلى جريمة أكثر عدوانية وأكثر عنفا”. هذا الانحراف المطوَّر للجريمة، هو ما بدأنا نشاهده ونتابعه بأسف وحزن وغضب عبر مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الظاهرة، في الواقع ليست خاصة بنا، بل هي مثل أي ظاهرة أخرى، تنتقل عدواها عبر العالم بفعل تحوُّله إلى قرية صغيرة على رأي “ماكلوهان”: قرية صغيرة يرى ويسمع فيها، في اللحظة والحين بالصورة الملوَّنة الثابتة والمتحركة ما يجري فيه وحوله من أحداث، تسوَّق تجاريًّا. تجارة الصورة والإثارة، بدليل ما نسمعه من أحداث يقوم بها “مؤثرون” مهووسون بنشوة المغامرة وجنون الشهرة والمشاهدات.

يضاف إلى سبب هذا الانتشار محليا وعالميا لظواهر العنف والسطو المسلح والأسلحة البيض، انتشارُ المخدِّرات، والتي هي ظاهرة عالمية، سببها في الأخير تحوُّل المجتمع عالميًّا نحو رأسمالية متوحِّشة، ليبرالية جديدة لا تعمل على أيِّ قيم من غير قيمة الربح والمال على حساب كل القيم، تزيد الغني ثراءً والفقير إفقارا وتهميشا.

مجتمعاتُ ما بعد سقوط جدار برلين، تتطور نحو تشكيل بنية اقتصادية موحدة خاضعة للمركز أحادي القطب، وسينتهي بها المطاف حتما إلى هدم وتكسير البنى الاجتماعية التقليدية والمحافظة، حتى في الغرب الرأسمالي، ابتداء من العائلة والأسرة، وتطوير مجال “الفردنة” و”الحريات الفردية” و”فصل الخاصّ عن العامّ” ضمن عقيدة العلمنة، وتشجيع الاستهلاك عبر تطوير آليات العقل الصناعي ليصبح الإنسان مجرد رقم فرد، بلا روابط إلا روابط العالم العنكبوتي الافتراضي.

أمام هذا التغوُّل المادي غير المحدود، يحدث الشرخ والتهميش في المجتمعات ومنها مجتمعاتنا في “طور النمو”، أو “النامية”، ولما نقول “في طور النمو” أو “النامية” فإننا نتحدث عن نموذج اقتصادي واجتماعي واحد مهيمن هو المجتمع الليبرالي الجديد.

هذا ما يحدث عندنا وعند الغير من تطور الجريمة، و”انحرافها” لتصبح جرائم جماعية في شكل “جريمة منظمة” باستعمال كل الوسائل المتاحة من ذكاء اصطناعي وعالم سيبراني قذر، وأيضا بانتشار عنف عصابات الأحياء والشوارع والأزقة بسبب حالة التحطيم والتهميش التي عشناها قبل عقدين، تضاف لها رضوض فترة العنف الدموي.

المعالجة لن تكون عبر حل أمني فقط، بل عبر اختيار مجتمعي أصلا ونفَس طويل وفي كل المجالات للقضاء على مخلفات الفشل.

مقالات ذات صلة