الرأي

انعدام ثقة!

مروان ناصح
  • 1157
  • 0

-1-في ترجمة عربية قديمة، لقصة من الأدب الألماني، عنوانها “الحب والدسيسة”، وهي منسوبة للشاعر شيلر، يقرر البطل بعدما شاهد البطلة وأعجب بها أن يذهب إلى أبيها خاطباً، فيرفض الأب يد هذا الشاب الممدودة، قائلاً له:- إذا تساءلت عن السبب.. فلن يكون سوى انعدام الثقة..!!- الثقة..؟ وانعدامها بمن..؟!- بك أنت أيها السيد.. إن الشاب الذي يأتيني أنا ليطلب الزواج من ابنتي هو شخص غير جدير بالثقة دون شك..!!- ولكن لماذا بحق السماء..!!ولا تطول الحيرة بالشاب، أمام هذا الموقف الغريب، حتى تنكشف له مرامي الأب غير البعيدة كثيراً..!! فقد كان عليه أن يبذل جهده في إقناع الفتاة بالزواج منه، أولاً، فإذا نجح في ذلك، فسوف يأتي دور الأب الذي لن يتأخر في مباركة هذا الزواج..!!

ورد هذا الموقف “المثال” في سياق حوار مع كاتبة سيناريو، بدأته هي بتوجيه عدد من الانتقادات إلى بعض كتاب الدراما الذين كثيراً ما يلجؤون إلى روايات أجنبية، فيقومون بتعريبها، وتطويعها للثقافات السائدة في البيئات العربية، ويقدمونها “سيناريوهات” جاهزة للإنتاج دون أية إشارة إلى المصدر..!! والمفارقة الكبرى عندما يجد قراء النصوص والمخرجون أنفسهم أمام “سيناريوهين” متشابهين، لأن هذا وذاك من كتاب السيناريو قد استندا إلى عمل روائي واحد، واجتهد كل منهما على حدة في تطويع التفاصيل، واختراع البدائل العربية للشخصيات والمواقف التي تنتمي إلى “عقلية” أوروبية، ونظرة مختلفة إلى الحياة والمجتمع وأزمات وقواعد أخلاقية شديدة التمايز عما هو مألوف في مجتمعاتنا وثقافتنا الموروثة والراهنة..!!

ورغم الأمثلة الكثيرة التي وقعت في يدي، أو رأيتها على الشاشة، من وجوه المشابهة أو التماثل، فلست في معرض استنكار الاقتباس من الأدب العالمي.. ولا أرى ضيراً في إغناء أعمالنا الدرامية بالعديد من الحبكات المبتكرة والأفكار الجديدة، والصراعات الجوهرية.. غير أن في ذكر الرواية المصدر ما يجنبنا هذا التماثل والتكرار، فضلاً عما فيه من أمانة فكرية مرغوبة، وهو أمر لا ينال من جهد المقتبس، ولا من إبداعه في صياغة “السيناريو” بما هو فن قائم بذاته، ومحترم في ذاته، وتسألني محاورتي، بعد هذا، عن رواية شيلر (1759 – 1805م) “الحب والدسيسة” هذه، مستنكرة، أشد الاستنكار:

 – كيف يمكن لأحد أن يفكر في “تطويعها” للدراما العربية، وأبسط أفكارها الأوروبية تقول: لا تختلف المرأة ذات “التجارب” في شيء، عن المرأة الساذجة دون “تجارب”..!! فكلتاهما مجرد نوعين بين “أنواع” النساء..!! أليست العملة الفضية القديمة معادلة للعملة الفضية الجديدة، في أن لكلتيهما سعراً واحداً؟!!

– عجباً..!! ومن ذا يجبرنا على اختيارها بذاتها، والروايات أمامنا كثيرة والخيارات مفتوحة..؟؟!!

 

-2-

كانا صديقين، ثم دبت الخلافات بينهما، وأعقبتها كراهية وقطيعة، فالتزما بالوفاء الكامل، لتقاليد كل من الصداقة والعداوة عند الكثيرين: إفراط “عاطفي” مرير..!! وإلغاء فذ لإرادة الآخر..!! وانشغال مقنع باللامبالاة.. ولا جديد..!! غير أن الشاعر منهما فاجأني بإضافة “عبقرية” إلى تقاليد العداوة، حين رفض بإصرار أن يشاركني مشاهدة حلقة من المسلسل الجديد، لصديقه القديم “الممثل” مبرراً هذا الإصرار العنيد بقوله:

– اعذرني… أخاف لو رأيت براعته في الأداء أن أحبه..!!

لعلها إضافة.. بل لمعة فكرية مبدعة، تحسب لذلك الشاعر..!! أو كوميديا سوداء يعجز عن تجسيدها المضحكون الجدد في الدراما العربية مع أنهم جميعاً لا يكفون عن التشدق بمصطلح “الكوميديا السوداء” حتى إنها شابت، في انتظار أن يتفهمها أحد، ويأخذ بيدها إلى ساحة الفعل، بدلاً من حيز الكلام الذي قيل فيه إنه نوعان: ” كلام فاضٍ”.. وكلام مليء بالكلام الفاضي..!!

وكيف لهؤلاء “المضحكين” أن يرتقوا إلى مقام هذا النوع الصعب من الكوميديا وهم غارقون إلى ذقونهم، في أوهام “التنكيت” على أنها المثل الأعلى لفن الإضحاك، ومتعلقون بأساليب أداء يحسبونها “تهريجاً”، وهي في حقيقتها إساءة بالغة إلى فن التهريج، وجمالياته الساحرة، في عالم السيرك الممتع للصغار والكبار معاً..؟! ويتساءل المتابع للأعمال “الكوميدية” التي تقدم في الآونة الأخيرة، على قلتها: لماذا أصبحت السمة البارزة في بنائها أنها تجميع عشوائي لعدد متنافر من “النكت” و”الطرائف”، وليتها تستطيع أن تحافظ على رشاقة النكتة، وذكائها الخاطف، ووظيفتها الانتقادية الساخرة؟!!

 

إنك لتجد “النكتة” التي يرويها المحدث البارع بكلمات قلائل مدهشة، وقد مُسخت إلى عشرين مشهداً يعج كل منها بالثرثرة، والتمثيل الركيك البارد، وبالتشتت والانزياح إلى المعاني الفرعية، أو الهامشية..!! وما أقتل “النكتة” و”أسمجها” حين تصاب بارتخاء المفاصل..!! وما أضيع نقطة “الحبر” و”دمعة” العطر حين تهدر في برميل ماء..!! وأستطيع أن أتصور عزيزي القارئ حجم غضبك ومللك متى عرضوا عليك في عشر دقائق أن مثقفاً شاهد امرأة متمددة على الشاطئ في ثياب السباحة، وهي تقرأ في كتاب ضخم، فأعجبته وقرر أن يتزوجها.. لكنه بعد أن وقع الفأس في الرأس، اكتشف أن ذلك الكتاب، مجرد كتاب طبخ..!! أو سخروا منك وحدثوك في عشرين دقيقة عن رجل أوصى زوجته وهو على فراش المرض بأن تتزوج بعد رحيله من “لحام” الحارة، دون سواه، وحين تساءلت عن السبب رد عليها بقوله: طوال عمري وهو يغشني في “اللحمة”، وأتمنى أن أغشه ولو لمرة واحدة..!!

مقالات ذات صلة