الرأي

انقلاب‮ ‬عساكر‮ ‬العرب‮ ‬على‮ ‬ساسة‮ ‬أمريكا

حبيب راشدين
  • 5066
  • 11

بداية تفكك قوة الدفع لإعصار الربيع العربي في بلاد الشام على يد الجيش السوري كانت تبشر ببداية لربيع عربي مضاد ينكث غزل السنوات الثلاث بتدبير الجيش المصري لانقلاب على الشرعية، فتح الأبواب على انقلاب أوسع في المواقف وموازين القوة والتحالفات في الشرق الأوسط وهرولة‮ ‬دول‮ ‬الخليج‮ ‬المخدوعة‮ ‬إلى‮ ‬الاستنجاد‮ ‬بأجناد‮ ‬مصر‮.‬

مرور أسبوع على الانقلاب الثاني الذي ينفذه الجيش المصري على رئيس جمهورية في تاريخه، يكون قد أدخل اليأس إلى قلوب من كان يراهن على تراجع يعيد الرئيس مرسي للرئاسة، إما تحت ضغط دولي تقوده الولايات المتحدة، أو خوفا من الانزلاق إلى حرب أهلية، كانت ستنطلق غداة أحداث‮ ‬الصدام‮ ‬بين‮ ‬الإخوان‮ ‬والحرس‮ ‬الجمهوري،‮ ‬بالحصيلة‮ ‬الدموية‮ ‬التي‮ ‬سمحت‮ ‬لبعض‮ ‬قادة‮ ‬الدول‮ ‬بترشيح‮ ‬تطور‮ ‬الوضع‮ ‬في‮ ‬مصر‮ ‬إلى‮ ‬حالة‮ ‬قريبة‮ ‬من‮ ‬الوضع‮ ‬في‮ ‬سورية‮.‬

 

غير أن الخروج الشعبي المكثف لأنصار الانقلاب من التيارات المدنية، وسرعة البدء في تنفيذ خطة خارطة الطريق، التي فرضها الجيش بقدر من الحسم على الجميع، تكون قد قتلت أحلام من كان يراهن على الانقلاب على الانقلاب، خاصة بعدما فشلت الضغوط الأمريكية في إقناع قيادة الجيش‮ ‬بالعدول‮ ‬عن‮ ‬الانقلاب،‮ ‬بصيغة‮ ‬ناعمة‮ ‬تبقي‮ ‬على‮ ‬الرئيس‮ ‬مرسي‮ ‬في‮ ‬موقع‮ ‬شرفي،‮ ‬وتسمح‮ ‬بحفظ‮ ‬ماء‮ ‬الوجه‮ ‬للإخوان،‮ ‬وتساعد‮ ‬على‮ ‬مشاركة‮ ‬التيارات‮ ‬الإسلامية‮ ‬في‮ ‬المسار‮ ‬الجديد‮.‬

 

انقلاب‮ ‬السحر‮ ‬على‮ ‬الساحر

الموقف الأمريكي المتذبذب والمتخبط، منذ خروج الملايين من المصريين يريدون الإطاحة بمرسي وبالإخوان، كان كاشفا لتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، وفشل الولايات المتحدة في إدارة واحدة من أخطر المواجهات في الشرق الأوسط، قد تخرب بالكامل كل ما بني على خلفية الربيع‮ ‬العربي‮.‬

‭ ‬فالإدارة‮ ‬الأمريكية‮ ‬لم‮ ‬تفشل‮ ‬فقط‮ ‬في‮ ‬تطويع‮ ‬الجيش‮ ‬المصري‮ ‬كما‮ ‬فعلت‮ ‬في‮ ‬أحداث‮ ‬25‮ ‬يناير،‮ ‬ولكنها‮ ‬فشلت‮ ‬أيضا‮ ‬في‮ ‬ضبط‮ ‬إيقاع‮ ‬ردود‮ ‬الأفعال‮ ‬لحلفاء‮ ‬لها‮ ‬في‮ ‬الإتحاد‮ ‬الأوروبي،‮ ‬وخاصة‮ ‬في‮ ‬دول‮ ‬الخليج‮.‬

فقد نقلت الصحافة المصرية عدة تسريبات، مصدرها قيادة الجيش المصري، تكشف حجم الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية على الجيش المصري قبل وبعد تنفيذ الانقلاب، سواء عبر السفيرة الأمريكية بالقاهرة، أو عبر اتصالات مباشرة على أعلى مستوى، أظهر فيها القائد العام للفوات المسلحة المصرية قدرا من الاستقلالية والأنفة، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية المصرية، لم تكن تعهدها الإدارة الأمريكية من أي قيادة في منطقة الشرق الأوسط منذ رحيل زعماء عرب بحجم جمل عبد الناصر بومدين وصدام حسين.

الموقف الأمريكي المتذبذب والمتخبط، من الانقلاب، كان كاشفا لتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، ولفشل الولايات المتحدة في إدارة واحدة من أخطر المواجهات في الشرق الأوسط، قد تخرب بالكامل كل ما بني على خلفية الربيع العربي.

وعلى مستوى موقف الحلفاء الأوروبيين، تفاجأ البيت الأبيض بصدور مواقف إيجابية من الانقلاب في البيت الأوروبي باستثناء بريطانيا، أضاعت على البيت الأبيض فرصة تشكيل جبهة غربية واسعة، قادرة على ثني عزيمة الجيش المصري، واحتاجت الإدارة الأمريكية إلى أسبوع من التفكير والتردد بين التشدد واللين، قبل أن تقبل بالتقسيط تحريك موقف يقف ما بين المنزلتين، لا يبارك فعل ترحيل رئيس منتخب، لكنه يرحب بالتوجه نحو العودة السريعة لمسار ديموقراطي انتخابي تضمنته خارطة الطريق التي تلاها الفريق أول سيسي قبل أن تفصل في الإعلان الدستوري الجديد‮.‬

 

 

انتفاضة‮ ‬البيت‮ ‬الخليجي‮ ‬على‮ ‬البيت‮ ‬الأبيض

غير أن المفاجأة الكبرى جاءت من جهة دول الخليج التي سارعت عدة عواصم منها إلى تأييد مغلف للانقلاب، من السعودية التي كانت أول من هنأ القيادة الجديدة والشعب المصري، ومن الإمارات والكويت، وحتى من إمارة قطر. الموقف السعودي صدر مباشرة من مكتب الملك بعيدا عن وزير الخارجية الذي غاب هذه المرة عن المشهد، وجاء الموقف السعودي واضحا قويا، مدعوما بإعانة مالية تقدر بخمس مليار دولار، ما بين هبة ووديعة بلا فائدة، أعقبه موقف مماثل من دولة الإمارات بثلاثة ملايير ونصف، وموقف كويتي لم يتخلف كثيرا بتقديم دعم قدره 4 مليار دولار، بما‮ ‬يسمح‮ ‬للنظام‮ ‬الجديد‮ ‬بانطلاقة‮ ‬طيبة،‮ ‬مع‮ ‬المراهنة‮ ‬على‮ ‬دور‮ ‬خليجي‮ ‬جديد،‮ ‬يختلف‮ ‬عن‮ ‬مواقفها‮ ‬المترددة‮ ‬من‮ ‬أحداث‮ ‬25‮ ‬يناير‮.‬

الموقف الإيراني جاء على خلاف ما كان يتوقع له، بتوصيف الرجل الثاني في القيادة الإيرانية ما جرى في 30 يونيو بالانقلاب العسكري، وإدانة خلع رئيس منتخب، موقف قد لا يفهم خارج الصراع الدائر بين إيران ودول الخليج.

 فقد كان الموقف الإيراني أقرب إلى موقف البيت الأبيض، وهو متناقض مع الموقف الإيراني من الأحداث في سورية، حتى وإن كان ينسجم مع موقف إيراني مبدئي، مرحب بثورات الربيع العربي مع الاستثناء البحريني والسوري.

المواقف‮ ‬الأربعة‮ ‬لقوى‮ ‬دولية‮ ‬وإقليمية‮ ‬معنية‮ ‬بالشأن‮ ‬المصري‮ ‬والشرق‮ ‬الأوسط،‮ ‬قد‮ ‬تساعد‮ ‬على‮ ‬فهم‮ ‬الانقلاب‮ ‬الحاصل‮ ‬في‮ ‬مشهد‮ ‬الشرق‮ ‬الأوسط‮ ‬ومسار‮ ‬الربيع‮ ‬العربي‮ ‬منذ‮ ‬بدأ‮ ‬يبدد‮ ‬قوة‮ ‬الدفع‮ ‬فيه‮ ‬في‮ ‬الشام‮.‬

 

خداع‮ ‬عسكر‮ ‬مصر‮ ‬لساسة‮ ‬أمريكا

فمما لا شك فيه أن ترحيل الرئيس مرسي، وربما تحييد الإخوان المسلمين من المشهد المصري، لم يكن ليسعد الرئيس الأمريكي أوباما، الذي راهن على تنظيم الإخوان كقوة قادرة على الإمساك بالشارع العربي، والدخول مع الولايات المتحدة في ترتيبات طويلة المدى، تسمح للإدارة الأمريكية‮ ‬بحلحلة‮ ‬ملفين‮ ‬رئيسين‮ ‬في‮ ‬الشرق‮ ‬الأوسط‮ ‬قبل‮ ‬الانتهاء‮ ‬من‮ ‬استكمال‮ ‬الانسحاب‮ ‬الأمريكي‮ ‬المنظم‮ ‬من‮ ‬الشرق‮ ‬الأوسط‮: ‬ملف‮ ‬القضية‮ ‬الفلسطينية‮ ‬والملف‮ ‬النووي‮ ‬الإيراني‮.‬

وربما تكون الإدارة الأمريكية قد ارتاحت إلى ما لمسته من ضعف القوى المدنية والليبرالية المصرية، التي لم تكن لتشكل معوقا يذكر، كما ارتاحت لما كانت تراه من انضباط لدى المؤسسة العسكرية المصرية، واستسلامها الظاهري لما أنتجته الانتخابات، كما كانت تعول خاصة على جزرة المساعدات العسكرية من أجل إبقاء الجيش خارج اللعبة السياسية، ولم تكن لتتوقع هذا الخروج الخليجي عن قواعد النظام المنظم، ودخولها في ما يشبه التمرد على الإدارة الأمريكية بتأييد الانقلاب، والمسارعة إلى دعمه ماليا وإعلاميا، في الوقت الذي كان البيت الأبيض ما زال‮ ‬يناور‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬حمل‮ ‬الجيش‮ ‬المصري‮ ‬على‮ ‬خيار‮ ‬يبقي‮ ‬بشكل‮ ‬من‮ ‬الأشكال‮ ‬على‮ ‬مرسي‮ ‬والإخوان‮.‬

ولأول مرة تجد الإدارة الأمريكية نفسها معزولة، أو على الأقل في غير موقع القيادة للأحداث، في بلد بالأهمية الإستراتجية التي هي لمصر. فالاتحاد الأوروبي الذي عودنا في سياسته الخارجية على انتظار الموقف الأمريكي قبل استنساخه، استبق هذه المرة الوقف الأمريكي بجملة من التصريحات، التي تصب في مجملها لصالح الانقلاب، مع التأكيد على أن ما حدث لم يكن انقلابا، وأنه لن يؤثر في حجم المساعدات الأوروبية لمصر التي كانت قد توقفت في زمن حكم مرسي. وهو موقف يعري حجم استياء الأوروبيين من التفرد الأمريكي بإدارة مسار الربيع العربي.

 

الخليج‮ ‬المخدوع‮ ‬يستغيث‮ ‬بأجناد‮ ‬مصر

ومع سهولة استشراف دوافع الموقف الأوروبي فإن السرعة التي انتظم بها موقف خليجي دون الحاجة إلى تنسيق مسبق، وخارج أي توافق أو حتى تشاور مع الإدارة الأمريكية، يحمل أكثر من علامة استفهام، ولا يفهم بغير صياغة بعض الفرضيات:

الأولى: لها صلة بالمخاوف التقليدية لدول الخليج، ليس فقط من الثورات ولكن من انتشار رقعة نفوذ الإسلام السياسي ومنه تحديدا تيار الإخوان، الذي اختار منذ البداية العراب التركي والقطري، وسمح طوال السنوات الثلاث بتهميش الدور السعودي لحساب قطر وتركيا، لنشاهد في الأشهر القليلة الماضية بداية تصفية الدور التركي والقطري في الملف السوري، وانتزاع قيادة ائتلاف المعارضة السورية من أيدي الإخوان وقطر وتركيا لصالح جناح تدعمه السعودية، فجاءت الأحداث المصرية الأخيرة لتكرس هذا الاتجاه.

الثانية: أن دول الخليج المحورية، تكون قد بدأت تشعر بحقيقة تراجع الدور الأمريكي، ودخول الولايات المتحدة في تسوية إقليمية ودولية على خلفية الملف السوري، لن يكون فيه دور لدول الخليج، قد يحرض فيه الإخوان وتيارات الإسلام السياسي على الانتقال لتحريك الشارع الخليجي وتثويره، وأن انتصار هذا التيار في مصر، وتمكينه من فرص التمكين قد يضع مستقبلا منطقة الخليج بين فكي كماشة: جار إيراني لا يخفي أطماعه التوسعية وتصدير الثورة، وكتلة إسلامية ثورية بقيادة الإخوان في تركيا ومصر.

تأييد دول الخليج للانقلاب يكشف عن مخاوف من تبعات ما بعد انكسار الربيع العربي في الشام، بما يوجب عليها الإسراع بالبحث عن نقطة ارتكاز جديدة، تساعد على إعادة بناء موقف عربي رسمي موازن لما بعد انحسار المظلة الأمريكية وبفاء التهديد الإيراني.

الثالثة: أن الانسحاب الأمريكي المبرمج من المنطقة سوف يترك منطقة الخليج بلا حماية، مع تفكك العراق وانتقاله لولاية إيرانية صرفة، وفقدان الظهير السوري الذي طالما شكل مع السعودية محورا لإدارة الملف اللبناني والفلسطيني معا، وأخيرا تراجع الدور المصري في السنوات الأخيرة‮ ‬لحكم‮ ‬مبارك،‮ ‬وتحول‮ ‬مصر‮ ‬إلى‮ ‬مصدر‮ ‬قلق‮ ‬للخليج‮ ‬مع‮ ‬وصول‮ ‬الإخوان‮ ‬للحكم‮.‬

 

الفرضيات الثلاث تلتقي عند حقيقة ظهور مخاوف لدى دول الخليج من تبعات ما بعد انكسار الربيع العربي في الشام، والذي ورط الخليج قبل أن يتراجع الموقف الأمريكي بشكل غير مفهوم عند القيادات الخليجية، سواء في الملف السوري أو في الملف الإيراني، بما يوجب على دول الخليج‮ ‬الإسراع‮ ‬بالبحث‮ ‬عن‮ ‬نقطة‮ ‬ارتكاز‮ ‬جديدة،‮ ‬تساعد‮ ‬على‮ ‬إعادة‮ ‬بناء‮ ‬موقف‮ ‬عربي‮ ‬رسمي‮ ‬وازن‮ ‬في‮ ‬المباحثات‮ ‬القادمة‮ ‬بين‮ ‬الروس‮ ‬والأمريكيين‮ ‬في‮ ‬الملفين‮ ‬السوري‮ ‬والإيراني‮.‬

 

ترحيب‮ ‬عربي‮ ‬بالربيع‮ ‬المضاد

الإعلان الجماعي لثلاث دول خليجية بضخ 12 مليار دولار لصالح النظام المصري الجديد، قبل أن يتضح موقف البيت الأبيض، قد يكون مقدمة لقرار استراتيجي مرتقب لدول الخليج، يراهن على الجيش المصري في إعادة العافية لمصر في وقت قياسي وبأموال خليجية، وإعادة مصر للعب دور إقليمي‮ ‬يوازن‮ ‬الدور‮ ‬الإيراني‮ ‬والتركي‮ ‬في‮ ‬المنطقة،‮ ‬ويكون‮ ‬في‮ ‬الحد‮ ‬الأدنى‮ ‬قادرا‮ ‬على‮ ‬وقف‮ ‬انتشار‮ ‬الموجة‮ ‬الإخوانية‮.‬

معظم الدول العربية تكون قد رحبت في السر والعلانية بالانقلاب، الذي قاده الجيش المصري ضد الرئيس المنتخب، لأسباب وبدوافع تختلف من بلد إلى آخر، وتشترك جميعها في ما يستخلص من هذا الانقلاب على مصير ما سمي بالربيع العربي، ويستبعد نهائيا فرص إحداث التغيير على أيدي الأحزاب الإسلامية، المطالبة اليوم بواجب مراجعة سياساتها وبرامجها، بدءا بالتخلي نهائيا عن فكرة التعويل على الغرب، المعادي أصلا لكل ما هو إسلامي، في التمكين لها كما حصل في ثورات الربيع العربي، والانتقال إلى مسار جديد يبحث عن فرص التواصل والاندماج مع القوى الوطنية،‮ ‬وعن‮ ‬تسويات‮ ‬براغماتية‮ ‬مع‮ ‬المؤسسات‮ ‬العسكرية‮ ‬القطرية،‮ ‬التي‮ ‬أحبطت‮ ‬من‮ ‬قبل‮ ‬وصول‮ ‬الإسلاميين‮ ‬للحكم‮ ‬عبر‮ ‬المسارات‮ ‬الانتخابية،‮ ‬خاصة‮ ‬وأن‮ ‬التجربة‮ ‬الجزائرية‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬تكن‮ ‬استثناء‮.‬

بقي أن الانقلاب على الشرعية الانتخابية في مصر لم يكشف بعد عن جميع تداعياته داخل مصر، قبل الانتهاء من إعادة بناء المؤسسات الدستورية الجديدة، وتداعياته في الإقليم، مع هذا الاصطفاف الخليجي مع فعاليات الربيع المضاد الذي قد لا يتوقف عند حدود مصر.

مقالات ذات صلة