انهيار القيم بالمدرسة الجزائرية.. لماذا؟!
من الظواهر المألوفة مؤخرا أن تجد الكثير من موظفي قطاع التربية والتعليم يشكِّلون طوابير طويلة أمام مكاتب التقاعد بمديريات التربية هروبا من الميدان حتى للذين لم يستوفوا السن القانونية.
وإن كانت الموضوعية تقتضي القول بأن كل من اتخذ هذا القرار له مبرراته، إلا أنك إذا سألتَ عن السبب يجيبك أحد هؤلاء: لم يعدْ لنا مجالٌ للبقاء في ظل ظروف العمل وواقع المؤسسات التربوية التي تعاني من أمراض عِدّة وهي منكفئة على ذاتها عاجزة عن أداء مهامها..
وتردّ عليك أخرى بأننا في أحسن الأحوال إذا خرجنا وقوانا العقلية سليمة فذلك أفضل مكسب..
لكن الرد الذي شدَّ انتباهي هو قول أحدهم إن المدرسة، وهي المكان الذي يربي الأجيال على القيم والمبادئ والأخلاق، قد انهارت فيها تلك القيم إلى حدّ لا يُطاق، وعليه فالفرار من هذا الوسط أفضل قرار اتخذته في حياتي.
لاشك أن وظيفة المدرسة الجوهرية هي اكساب التلاميذ منظومة المعتقدات والقيم والاتجاهات والمهارات التي تمكِّنهم من التكيُّف مع مجتمعهم والإسهام في تطويره، وعليه يجب أن تسعى المدرسة إلى تكوين اتجاه إيجابي في نفوس الطلاب نحو تلك القيم، وتقويم ما يطالها من اعوجاج حتى تصبح سلوكات تمارس في واقع الحياة.
لكن المتتبعَ للأخبار اليومية وما تطالعنا به الجرائد من حوادث داخل المؤسسات التعليمية من جرائم القتل، والتحرش، والسرقة، وتجارة المخدرات وتناولها محشوّة في سجائر، والتشاجر بالأسلحة البيضاء، ومحاولات الانتحار، وتحوّل المدارس إلى مرتع للآفات الاجتماعية يعتدي فيها التلميذ على الأستاذ بالسبِّ والشتم أو الضرب ليلجأ هذا المربّي إلى الدفاع عن نفسه باعتماد العنف البدني واللفظي… وهكذا هيمنت مظاهر العدوانية واللاتسامح والإخلال بأبسط قواعد الاحترام وغيرها من السلوكات فتحوّلت مدارسنا إلى أماكن لتعلم أي شيء إلا الأخلاق.
وقد ارتفعت نسَب هذه الظواهر إلى درجة أدَّت بالسيدة وزيرة التربية إلى الاعتراف مؤخرا بالحاجة الملحة إلى أخْلقة المدرسة.
من البديهيات التي تعلمناها منذ نعومة أظافرنا، أن القيم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وأنها شاملة ومستمرة توجِّه سلوكات الإنسان في مختلف مجالات الحياة، فلماذا حضرت قيمُ الطاعة والاحترام والعدل والمواطنة والتضامن والتسامح والتماسك الاجتماعي وأسمى معاني الخلق والأدب الانساني الرفيع في مدارسنا قديما وغابت عنها اليوم؟
لقد اجتمعت عدة عوامل أدَّت إلى تدهور القيم الأخلاقية في مؤسساتنا التربوية وعلى رأسها:
1- ضعف الوازع الديني وسيطرة الجانب المادي، حيث تمّ الفصل بين الدين والالتزام بتعاليمه في حياة الناس، بالإضافة إلى اهتزاز قيمة العلم في نفوس الطلاب ومقارنة واقع المتعلمين المادي المزري في الكثير من الأحيان بحالة أصحاب الثراء والأموال.
2- استقالة الأسرة عن ممارسة دورها التربوي وحمَّلت المسؤولية للمدرسة وحدها لتواجه مصير الأجيال، فتكالبت عليها ضغوطُ المجتمع بكل مؤسساته وأطيافه.
3- مسؤولية وسائل الإعلام بكل أنواعها، إذ لم تعُد محتويات الكثير منها ذات توجّه أخلاقي بِنائي بل تجاري محض ومهدِّم للآداب.
4- تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلتنا أمام عولمة المجتمعات، وأصبح شبابنا يعيش في مجتمعات مخالفة لقِيَمنا وعاداتنا، فاتخذ نماذج أخلاقية وقدوات لا ترتبط بنا لا من بعيد ولا من قريب، ولك أن تتأمل في تسريحات الشعر ونوعية وشكل ملابس طلابنا وطالباتنا..
5- تخلي بقيّة مؤسسات المجتمع الأخرى عن دورها التربوي كالمسجد ودور الثقافة ومراكز الشباب وغيرها…
6- تبني الكثير من القائمين على رسالة التدريس طرائق عمل بالية وعقيمة في تعليم القيم والأخلاق؛ إذ تُقدَم للأجيال كمعارف مباشرة وجوفاء، بدل أن تكون ممارسات حيَّة تُشاع في الحياة المدرسية وينتقل بريقها وأثرها خارجها إلى شتى مجالات الحياة، فليس التعلم أن تَحفظ الحقائق عن ظهر قلب بل أن تعرف ماذا تفعل بها؟.
7- إشكالية العلاقة بين التلميذ والأستاذ والإدارة المدرسية، إذ لم تعد الأخلاق هي الحاكمة لتلك العلاقة، بل أصبحنا أمام علاقات صراع وتمرُّد وعنف ظاهر وخفي، وتخلى الجميع عن الانضباط فتخرّج في هذه المدارس جيلٌ من الفاشلين والمنحطين والمشاغبين، إلا من رحم ربك.
تبنى الكثير من القائمين على رسالة التدريس طرائق عمل بالية وعقيمة في تعليم القيم والأخلاق؛ إذ تُقدَم للأجيال كمعارف مباشرة وجوفاء، بدل أن تكون ممارسات حيَّة تُشاع في الحياة المدرسية وينتقل بريقها وأثرها خارجها إلى شتى مجالات الحياة، فليس التعلم أن تَحفظ الحقائق عن ظهر قلب بل أن تعرف ماذا تفعل بها؟.
وإذا كانت المدرسة هي رافعة لواء إصلاح منظومة القيم داخل المجتمع، وستبقى، فقد آن الأوان لإعادة النظر في المناهج والمقررات الدراسية لما لها من انعكاسات على هذه المنظومة بما يجعل الفضاء المدرسي مجالاً لغرسها والتشبّع بها فكريا والتقيد بها سلوكيا.
وقبل ذلك، ينبغي الاهتمامُ بإعداد وتكوين كل القائمين على الفعل التربوي، خاصة تلك الحشود الكبيرة من الجامعيين الذين يريدون أن يحلُّوا محل هؤلاء المتقاعدين بما يمكِّنهم من أن يكونوا منارات للعلم ومصابيح يَهتدي بها الجميع، فاعلين لمجد التغيير، ولا يرضى الواحد منهم بأن يبقى في موقف المتفرج أمام هذه المآسي وكأنه ذلك الضمير الغائب أو الذي لا محل له من الإعراب.
فإذا تهاون رجالُ التربية في أداء رسالتهم واستسلموا للأمر الواقع، وفرَّط القائمون على شؤون الوزارة في الاهتمام بركن التكوين، فنحن أمام منعطفٍ خطير يسير بالبلد نحو نَفقٍ مظلم، لأننا نحيا اليوم في عالم لا يسعُ إلا الأقوياء ولا مكان فيه للمهازيل الضعفاء.
أملنا أن نعيش ذلك اليوم الذي نرى فيه مدارسَنا وقد خرَّجت أجيالا واعية مقدامة في طلب العلم، جادة في خدمة وطنها، متمسكة بتلك القيم الأصيلة والنبيلة.